Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
22 mai 2015 5 22 /05 /mai /2015 11:59

بداية ما هو موقفكم من الإجهاض؟

موقفي يعتمد المرجعية الإسلامية والمرجعية الكونية في آن واحد. اعتمادا على المرجعية الأولى، أقول أن الإجهاض موضوع اجتهاد بالنظر إلى اختلاف الفقهاء حول جوازه، وأيضا بالنظر إلى غياب أساس شرعي قطعي لتحريمه، وهو ما يترك المجال مفتوحا أمام الاجتهاد. أما مرجعيتي الحقوقية الإنسية، فتسمح لي بالدفاع عن الصحة الجنسية والإنجابية باعتبارها حقا من حقوق الإنسان، وهي تعطي المرأة الحق في الاختيار بين الحمل وغير الحمل، والاختيار في الاستمرار في الحمل أو في إيقافه، بالنظر إلى أن المرأة سيدة جسدها وتعرف مصلحتها أكثر من غيرها. وبالتالي ليس هناك تعارض بين المرجعيتين، حيث أن الأولى منفتحة وتدعونا إلى الاجتهاد الذي سيوصلنا من دون شك إلى تبني المرجعية الكونية الحقوقية.

كيف يمكنك القول أن الإجهاض لا يستند على أساس شرعي؟

ليست هناك آية قرآنية تتحدث عن الإجهاض لتؤكد تحريمه. فمصطلح الإسقاط/ الإجهاض غير مذكور في القرآن. كل ما هو موجود، حديث يجيز الإسقاط في الأربعين يوما الأولي أو في المائة وعشرين يوما الأولى من الحمل ، ويحرمه بعد ذلك. والإجماع حاصل على تحريمه بعد المائة وعشرين يوما، أي بعد نفخ الروح في الجنين (حسب الطرح الفقهي).

هناك من سيرد ويقول أن الإسقاط حرام لأنه يتعلق بقتل روح تولدت وتشكلت في رحم الأم والمرأة؟

هذا موقف علماء المالكية لوحدهم. المالكية لوحدها متشددة في هذا الموضوع. أما المذاهب الأخرى، فلا تقول بتحريم الإجهاض فور وقوع الحمل، بل تقول أن الإجهاض مباح في حالات معينة قبل نفخ الروح في الجنين. وقد بينت ذلك في مقالتي "في مكافحة الإجهاض السري بالمغرب" الصادرة سنة 2010 بمجلة الأوان. القول المشهور في المذهب المالكي وحده يحرم الإجهاض منذ الحمل، وفي المالكية قول "شاذ" يبيح الإجهاض في الأربعين الأولى. أما المذاهب الأخرى من شافعية وحنبلية وحنفية فتجيز الإجهاض، حيث تجيزه الشافعية والحنبلية في الأربعين الأولي من الحمل، أي قبل مرحلة التخلق، فيما يجيز المذهب الحنفي الإجهاض إلى حدود نهاية الشهر الرابع، اعتقادا منه أن نفخ الروح لا يتم إلا في نهاية ذلك الشهر.

هل هناك إمكانية للتوفيق بين وجهة النظر الكونية والمقاربة الدينية بالنظر إلى أننا نتبنى المذهب المالكي؟

يجب أن نعي أولا بأن الخروج عن المذهب المالكي ليس خروجا عن السنة، وأن الخروج عن المذهب المالكي ليس خروجا عن الإسلام، وهذا هو الأهم. فالمالكية مذهب فقهي تبنته الدولة المرينية في القرن الرابع عشر ميلادي، بمعنى أن المغاربة أصبحوا مالكيين منذ ستة قرون فقط. دون الخروج عن المذهب المالكي كلية، يمكن إما أن نتبنى القول غير المشهور منه أو أن لا نعمل به فيما يتعلق بالإجهاض أو أن نجعله يتساكن مع المذهب الحنفي. كان التوليف بين المذاهب يسمى تلفيقا من طرف الفقهاء المتمذهبين، وعلينا اليوم أن نسميه تحررا مذهبيا كما فعلت في دراستي "في الاتصال بين الشريعة الإسلامية والشريعة الدولية في عدم التمييز ضد المرأة" (مجلة مقدمات، 2002). في هذه الدراسة، ناديت بضرورة تحرر الفقهاء من تمذهباتهم المختلفة وجعلت من التحرر المذهبي "قاعدة جديدة لاجتهاد جديد في مجتمع جديد". خير مثال على ذلك الاجتهاد الذي قاد إلى وضع بعض فصول مدونة الأسرة والذي اعتمد المذهب الحنفي، مثلا في الفصل الذي يعطي الفتاة الحق في العقد على نفسها، أي في التزوج دون ولي. هنا، يمكن الاستفادة والاستدلال بالنظام التونسي، حيث أن 85 في المائة من التونسين مالكيون والمتبقين حنفيون، ومع ذلك شرعنت تونس الإجهاض في الاثني عشر أسبوع الأولى سنة 1973 عملا بالمذهب الحنفي لأنه المذهب الفقهي الأقرب إلى العقل، إلى الحداثة وإلى المرجعية الكونية. طبعا، هذا موقف توخى مصلحة المرأة التونسية، والمصلحة العامة في تونس. كما يمكن الاجتهاد من داخل المذهب المالكي نفسه وتكسير الحدود/القيود التقليدية التي فرضها على نفسه في الماضي، والتي تمنعه اليوم من مسايرة التغير الاجتماعي والتكيف مع الطلب الاجتماعي لتقنين الإجهاض. ينبغي أن نعي أن إجازة الإجهاض أو تحريمه مسألة لا تمس لا إسلام الدولة ولا عقيدة الفرد. فإباحة الإجهاض ليست خروجا عن الدين أو منكرا أو قتلا لنفس/طفل، فالمواثيق والمعاهدات الدولية لا تستعمل كلمة طفل إلا بعد الولادة. حقوق الطفل تبدأ مع الولادة وليس قبلها.

وهل يمكن التوليف بين الاجتهاد الديني والواقع الذي يعيش إكراهات صارخة في مجال الإجهاض، حيث أرقام الإجهاض السري تخيف في هذا المجال؟

الطريق الوحيد لإيجاد هذه التوليفة هي طريق الاجتهاد.

في أي مسار؟

في سياق إجازة الإجهاض في بعض الحالات، في الظرف الراهن..

لأن هناك من سيعتبره وسيلة للفساد الأخلاقي.

طبعا المحافظون الأبيسيون سيقولون أن تخليص العازب من حملها بشكل قانوني تغطية على ممارساتها الجنسية قبل الزوجية وتشجيع لها ولغيرها على تلك الممارسات. هنا يتبين أن تحريم الإجهاض يستهدف مراقبة جسد المرأة والتسلط عليه من أجل حماية الأمن السلالي، وهو المفهوم النظري الذي بنيت لفهم علة تحريم العلاقات الجنسية قبل الزواج. اليوم، الأمن السلالي يجب أن يحمى بفضل وسائل منع الحمل، وبالتحليل الجيني، وبالإجهاض في آخر المطاف. لنأخذ حالة الفتاة العازب التي مارست الجنس قبل الزواج فحملت لأنها لم تأخذ الاحتياطات اللازمة لسبب ما، فهل يجب أن نجبرها على الاحتفاظ بحملها، علما أننا نعرف مسبقا أنها ستصبح موضوع سخط اجتماعي، بل موضوع قتل بدعوى الدفاع عن العرض، وقد تصبح معرضة للتشرد والبغاء. كما سيُوصف طفلها بالنعت القدحي المعروف "ولد الحرام". أين هو حقها في الصحة الاجتماعية؟ أين هو حقها في الصحة النفسية؟ هناك ضرورة اجتماعية واقتصادية، بل وإنسانية، تفرض علينا في الوقت الراهن تمكين العازب الحامل من إيقاف إرادي لحمل غير مقصود وغير مرغوب فيه، ومن إجهاض آمن، وتجنيب المجتمع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذا الحمل اللإرادي. فالأمومة اختيار وليست حتمية بيولوجية.

أما الجنس قبل الزواج فهذا أمر واقع، والواقع لا يرتفع. التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم هو حماية الجنس قبل الزوجي من خطري الحمل والأمراض. اليوم لا يمكن أن نطالب العزاب بالإمساك عن الجنس، فهو قول غير واقعي، كما لا يمكن أن نطالبهم بالزواج المبكر، فهو أيضا أمر غير واقعي وغير سليم، ولذلك منع قانونيا. يكمن الحل في حماية الجنس قبل الزواج، وذلك عن طريق تمكين الفتاة العازب من تربية جنسية علمية، ومن وسائل منع الحمل، على أن نمنح العازب الحامل حق الإجهاض الآمن في حال فشل منع الحمل. أما الحق في الإجهاض في حالات الاغتصاب والمحارم والتشوهات الخلقية، فحق لا غبار عليه ولا جدال فيه، ولا قول فيه للفقيه اليوم.

إذن ما هي نقط التوتر بين توليف الدين بالواقع؟

المقاربة الدينية في موضوع الإجهاض ليست واحدة وموحدة، وكما قلت في المناظرة الوطنية حول الإجهاض السري، فإن الإجماع حول تحريم الإجهاض يهم فقط الإجهاض الذي يتم بعد مرور أربعة أشهر على الحمل. فالذي يحرمه منذ وقوع الحمل فقيه متمذهب بالمالكية.

بمعنى؟

بمعنى أنه يكذب على الناس حين يدعي أن الإسلام حرم الإجهاض قطعا منذ وقوع الحمل. يجوز للفقيه المالكي أن يختزل الإسلام في مذهبه فذلك تجني على الإسلام. الفقيه المالكي المتمذهب يتحول إلى عالم دين حين يقول للناس أن الإسلام ليس له موقف موحد من الإجهاض، وحين يؤكد لهم وجود مواقف مذهبية مختلفة حوله، وحين يشرح للناس أن بعض المذاهب الإسلامية تبيح الإجهاض في حالات معينة أو في حدود زمنية معينة. هذه هي الرسائل التي يجب أن يوصلها العالم الحقيقي للناس فيؤكد للناس أن جواز الإجهاض معمول به باسم الإسلام في دول إسلامية أخرى، وأن المغرب متخلف في هذا الشأن. الخطر أن نقول للناس وبصفة مختصرة وقطعية أن الإجهاض حرام، فهذا إغلاق لباب الاجتهاد في موضوع خلافي، وحرمان الناس من حق أقره الإسلام وأقرته حقوق الإنسان معا. لا بد إذن من الاجتهاد للتوصل إلى موقف يناسب مغرب القرن الواحد والعشرين، ويحمي مصلحة المرأة المغربية والأسرة المغربية، بل ومصلحة المجتمع المغربي بأسره في التنمية البشرية. لا بد من اجتهاد يفضي إلى إجابة تناسب الواقع المغربي، فلا يجب تجميد النص من خلال تأويل مجمد له.

طيب، ما تفسيركم لظاهرة الإجهاض السري في المغرب؟

هناك عدة أسباب تشرح تنامي هذه الظاهرة المخيفة، منها تنامي ظاهرة الحمل غير المرغوب فيه نتيجة لضعف التربية الجنسية، أي لضعف المعرفة الجنسية ولضعف معرفة واستعمال وسائل منع الحمل. ومادام الإجهاض فعلا مجرما (إلا في حالة الخوف على صحة أو حياة الأم)، فإنه يتحول بشكل آلي إلى ظاهرة سرية لأن الناس في حاجة إليه أكثر فأكثر، وسريته تجعل منه ظاهرة خطيرة على صحة الأم. فالإجهاض السري غير آمن، ولا يمارس بالضرورة من طرف ممهنيين، وحتى إذا مورس من طرف مهنيين، فإنه يتم في عيادات لا تتوفر على كل الإمكانيات اللوجيستيكية الضرورية. معنى ذلك ـأن القضاء على الإجهاض السري يمر عبر تقنين الإجهاض وعبر تنظيمه وممارسته بفضل الدواء، دون جراحة. ويمر أيضا عبر الوقاية عبر الاستعمال السليم لوسائل منع الحمل. ويمر بالأساس عبر الاعتراف بالحق في الجنس. فالجنس الشرعي، سواء أكان زوجيا أو غير زوجي، هو الوحيد الذي يمكن أن يحمي نفسه بنجاعة من الحمل غير المرغوب فيه ومن الإجهاض، لأنه جنس حر ومسؤول.

وما هو رأيكم للبلاغ الملكي الذي صدر عقب استقبال الملك محمد السادس لوزيري العدل والشؤون الإسلامية؟

بلاغ جميل وقوي وشجاع، ويعيدني (في إطار المقارنة بين ملكين) إلى نازلة ملك بلجيكا "بودوان" التي حكيتها أثناء المناظرة حول الإجهاض السري. رفض بدوان التوقيع على قانون الإجهاض الذي صوت عليه البرلمان البلجيكي سنة 1990، وذلك بدعوى تعارض القانون مع عقيدة الملك، المسيحية الكاتوليكية المحرمة للإجهاض. لذلك اضطر الملك للاستقالة لمدة يومين إلى حين أن وقع الوزير الأول على القانون، ثم عاد الملك إلى عرشه يمارس مهامه الملكية بشكل عادي.

في بلاغ الديوان الملكي المغربي لمساء أمس، رسالة جوهرية ومهمة للغاية تنادي بحل قضية الإجهاض عبر الاجتهاد. وهذا معناه أن لا وجود لموقف إسلامي حاسم يحرم الإجهاض قطعا قبل انتهاء الشهر الرابع من الحمل، وأنه لا بد من أخذ الحاجيات الحالية بعين الاعتبار. هذا يعني أن الملك، بصفته أمير المؤمنين، يأمر بالاجتهاد، ضدا على أولئك الذين أقفلوا باب الاجتهاد في موضوع الاجهاض نظرا لتمذهبهم ولتقليدانيتهم. فالملك هنا حازم ضد أولئك الذين يقولون أن الإجهاض حرام بغض النظر عن مدة الحمل وعن الأعذار.

ويتضمن البلاغ أيضا رسالة استراتيجية تبين أن أمير المؤمنين ملك المغرب لم يتفوق فحسب على ملك بلجيكا، بل هو في طور التفوق الحضاري على الفاتيكان نفسه. فقرار أمير المؤمنين بفتح باب الاجتهاد يعني أنه يشجع على السير نحو تقنين الإجهاض والاعتراف بضرورته في حالات معينة، وفي ذلك تجاوز لجمود المسيحية في الموضوع. إنها رسالة تكتب تفوق الإسلام على المسيحية، في مجال يتعلق بالموجة الثالثة من حقوق الإنسان، وهي موجة الحقوق الجنسية والإنجابية. إنه ربح مزودج للملك، ربح في الدين وبالدين، وربح في مجال حقوق الإنسان، الكل لفائدة مغرب حداثي.

[1] نص الحوار الذي أجراه معي يوسف بجاجة لجريدة "الأيام"، عدد 657، 19 مارس 2015.

Partager cet article

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article

commentaires