Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
16 mai 2015 6 16 /05 /mai /2015 13:25

نص الحوار الذي أجرته معي مجلة "زمان"، العدد 16، فبراير 2015

يجري الحديث في السنوات الأخيرة، خاصة في بعض وسائل الإعلام، عن انفجار جنسي في المغرب. كيف يمكن التأريخ لهذا التطور؟

وضعت مفهوم الانفجار الجنسي في ظل نظرية أعم، أسميتها نظرية الانتقال الجنسي. الانفجار الجنسي ظاهرة في إطار الانتقال الجنسي. المقصود أن الجنس فجر إطاره المؤسساتي، أي الزواج. على مدى قرون طويلة كانت المعادلة واضحة: الجنس مقترن بالزواج. ويظهر ذلك في مصطلح "النكاح" الذي يدل على هذا الاقتران بين الوطء والزواج، فالنكاح يعني الوطء الزوجي. إن النكاح إذن هو الإطار الشرعي للجنس، وكل ما هو ليس نكاحا، أي زواجا، فهو سفاح أو زنا (بالنسبة للمرأة بالخصوص).

باسثتناء الهامش الذي مثله الجنس الشرعي مع العبيد؟

فعلا، لكن بالنسبة للرجال فقط. ممارسة الجنس مع ما ملكت اليمين، أي الجواري، أمر شرعي في الإسلام، لكنه خاص فقط بالرجال. أما النساء فيحق لهن امتلاك عبيد ذكور لكن لا يحق لهن ممارسة الجنس معهم، فالجنس الشرعي بالنسبة لهن لا يبدأ إلا مع الزواج ويقف عند حدوده. طبعا هناك أيضا البغاء الذي اعتبر تدريجيا زنا، لكنه يختلف عن الزنا، إذ هناك بعض الفقهاء الذين قالوا أنه يجوز للمرأة غير المتزوجة أن تبيع خدمات جنسية مقابل مال لكي تضمن قوتها اليومي، فالبغاء محظور أقل ضررا من الموت جوعا (الذي هو محظور أيضا).

هذا القول الفقهي غير مشهور، أين يمكن تأصيله في التراث الفقهي؟

كثير من الفقهاء قالوا بذلك، بل نجد في القرآن آية تقول "لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا"، وبعدها تأتي آية أخرى تقول "ومن يكرههن من بعد ذلك فإن الله غفور رحيم". لا وجود لآية قرآنية تحرم البغاء تحريما قطعيا صريحا. ما هو محرم في هذه الآية هو إكراه الفتيات، أي الجواري حسب التأويل السائد، على ممارسة البغاء كما يدل على ذلك سبب نزول الآية. القصة أن عبد الله بن مسلول، وكان يعارض الرسول وله جاه وسلطة، كان يكره جواريه على ممارسة البغاء. فاشتكت إحدى جواريه من ذلك إلى الرسول. ويبدو أن الرسول كان يريد، في نفس الوقت، أن يستجيب لشكاية الجارية وأن يتعامل بنوع من الديبلوماسية مع بن مسلول. لذلك نزلت الآية الأولى لصالح الجارية ثم الآية التالية لصالح عبد الله بن مسلول لأن الغفران فيها للمالك المكره، فهو الفاعل في الآية.

لكن القرآن يحرم الزنا بشكل واضح ويعاقب عليه، والبغاء زنا؟

الذي حصل هو نوع من الترادف التدريجي بين البغاء والزنا، فاعتبر البغاء شكلا من أشكال الزنا. الفرق بينهما أساسي، إذ الزنا لا يتضمن أجرا يعطى مقابل الجنس بل غايته الوحيدة هي المتعة المتبادلة. أما البغاء ففيه أجر مادي مقابل الجنس، والمتعة هنا للرجل الزبون وحده. هذا التمييز مهم جدا لأنه يدل على أن العلاقة الجنسية غير الشرعية في الإسلام هي تلك التي يغيب فيها المال، أي الزنا، أما البغاء فلم يكن موضوع تحريم واضح كما قلت. ولكي تكون لنا نظرة أوضح، نجد أن الأشكال الأربعة للجنس الشرعي في الإسلام تشترك في خاصية هي الأداء مقابل المتعة. في النكاح/الزواج صداق ونفقة، في زواج المتعة صداق، في الجنس مع الجواري شراء ونفقة، في الجنس مع البغي دفع أجر. المال إذن هو ما يضفي الشرعية على الجنس من المنظور الفقهي، بخلاف الزنا الذي لا مال فيه، بل فقط بحث عن متعة مشتركة، وذلك من أسباب تحريمه.

هذا هو الإطار النظري العام السابق على مرحلة الانفجار الجنسي؟

هذه بعض ملامح المرحلة الأولى من نظرية الانتفال الجنسي. تقوم نظرية الانتقال الجنسي على التقابل بين المعايير الجنسية من جهة والسلوكات الجنسية من جهة أخرى وتميز بين مراحل ثلاث. في المرحلة الأولي، هناك استمرارية بين دينية المعايير الجنسية ودينية السلوكات الجنسية. هناك تطابق بين الاثنين، بمعنى أن السلوكات الجنسية في معظمها سلوكات شرعية تقع في إطار الزواج. في المرحلة الثانية، يبدأ الانكسار بين المعايير الجنسية والسلوكات الجنسية، تستمر دينية المعايير الجنسية (العمومية/السائدة)، بالأساس تحريم الجنس خارج الزواج، لكن السلوكات الجنسية تتجاوز هذا التحريم ويقع الانفجار الجنسي، أي تكاثر السلوكات الجنسية قبل الزواج وخارجه. هنا يحصل تعلمن سلوكي للجنس دون تعلمنه المعياري.

متى يمكن التأريخ لحصول هذا الانفجار؟

يمكن تحديده، على العموم، في النصف الثاني من القرن الماضي بعد الاستقلالّ. نحن اليوم ما نزال في إطار هذه المرحلة الثانية الانتقالية ولم نبلغ بعد المرحلة الثالثة التي تتميز بعودة التطابق بين السلوك جنسي والمعيار الجنسي على أساس آخر، علماني، بمعنى أن المعايير الجنسية العمومية والسلوكات الجنسية تستقل كلها عن الدين ولا يبقي الدين هو المنظم للحياة الجنسية وللمجال العام. في المرحلة الثالثة التي بلغتها مجتمعات أوربا مثلا، المعيار هو أن الجنس حق إنساني شرعي قبل الزواج شرطه الوحيد التراضي بين الطرفين. أود أن أشير إلى أنني وضعت مفهوم الانتقال الجنسي لاجتناب بعض المصطلحات التي تصف المرحلة الثانية التي نحن فيها كسكيزوفرينا (وهذا مرض عقلي فردي وليس تعبيرا علميا عن حالة اجتماعية)، أو كنفاق (وهذا حكم أخلاقي). أردت أيضا اجتناب المصطلحات الإسلاموية التي ترى في الانفجار الجنسي عودة إلى الجاهلية (عند الإسلامويين المتطرفين) أو فتنة (عند عبد السلام ياسين مثلا) أو انحرافا (عند المندمجين منهم في اللعبة الساسية). لذلك أنشات مفهوم الانفجار الجنسي وأقصد به تفجير الزواج كأطار أوحد للجنس، ورأيت أن الانفجار الجنسي بهذا المعنى يشكل جانبا مهما من المرحلة الثانية في إطار نطرية الانتقال الجنسي. أنشات مفهوم الانفجار الجنسي وأنشات نظرية الانتفال الجنسي كأدوات سوسولوجية وصفية وتفسيرية في الوقت ذاته، غير متحيزة، تقول بأن الجنسانية المغربية في حالة تحول وتغير. أما نظريات العودة إلى الجاهلية أو الفتنة أو الانحراف، فهي نظريات اجتماعية (وليس سوسيولوجية)، أي نظريات عفوية منحازة تندد بما هو قائم (جنسيا) وتنادي بنموذج ماضوي تعتبره طاهرا ومثاليا.

لنعد للمرحلة الثانية، مرحلة الانفجار الجنسي، ما هي العوامل التي أدت إليه؟

أفضل استعمال عبارة الظواهر المترابطة وليس العوامل إذ يصعب الحديث عن علاقات سببية في علم الاجتماع والعلوم الإنسانية عموما. في ما يخص الظواهر المرتبطة بالانفجار الجنسي، يمكن أن نبدأ ببروز مفهوم المراهقة. في المرحلة الأولى (مرحلة دينية المعيار والسلوك الجنسيين)، كان الانتقال مباشرا من حالة الطفولة (لا جنس) إلى حالة الرشد (الجنس/والزواج). لم تكن هناك مراهقة و لا تمدرس، وكان ينظر للفتاة كغشاء بكارة (رأسمالها الأول وعاصمة جسدها الأولى) ثم كرحم (الرأسمال الثاني والعاصمة النهائية للجسد الأنثوي) عليه أن يخدم غائية تكثير نسل العائلة والقبيلة والأمة بشكل مبكر ومستمر. كان النسل دليلا على القوة، بل هو القوة، ليس في المجتمعات الإسلامية فحسب، بل في كل مجتمعات ما قبل الثورة التقنولوجية. اليوم، الانتقال لم يبق مباشرا من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد، ثم إن التقنية عوضت الطاقة البشرية في الكثير من مجالات الإنتاج. وبالتالي ظهرت فترة المراهقة والتكوين ولم يعد الزواج المبكر ممكنا ولا مستحبا. لكن تأجيل الزواج لا يعني تأجيل الجنس وأصبح النشاط الجنسي يبدأ قبل الزواج. ويتجلى ذلك في إحدى دراسات وزارة الصحة (2007) حيث أن معدل السن عند أول علاقة جنسية كاملة هو 16 سنة بالنسبة للفتيان لكن معدل السن عند الزواج الأول عندهم هو 31 سنة. أما معدل السن عند أول علاقة جنسية كاملة بالنسبة للفتيات, فهو 18 سنة، في حين أن معدل سن الزواج الأول عندهن هو 26 سنة. طبعا الفارق الزمني بين السن عند انطلاق النشاط الجنسي والسن عند التزوج سيكبر إذا أخدنا بعين الاعتبار أشكال النشاط الجنسي الأخرى، الجنس دون إيلاج فرجي والجنس غير الفرجي...

الظاهرة الثانية المرتبطة بالانفجار الجنسي تتثمل في القطيعة بين القانون وتطبيق القانون. القانون الجنائي المغربي (الوضعي) يجرم الجنس قبل الزواج (وخارجه)، وهو امتداد للتحريم الديني. لكن الجنس قبل الزواج وخارجه أصبح يعرف تكرارية مرتفعة تجعل من النشاط الجنسي غير القانوني شيئا يصعب ضبطه ومعاقبته. وهذا معنى ثان للانفجار الجنسي. المقصود منه تكاثر الأنشطة الجنسية خارج القانون إلى درجة أن تطبيق القانون أصبح متعذرا. والواقع أن هذا التعذر لا يرجع فقط إلى التكاثر، بل أيضا إلى إرادة عدم تطبيقه في حالات معينة، وهي بدورها حالات كثيرة وأصبحت هي القاعدة العملية. لذلك برز مطلب تغيير القانون الجنائي وحذف الفصول المجرمة للنشاط الجنسي غير الزوجي، حيث أن هذا النشاط بدأ يقبل ويطبع لدى الكثير من المغاربة.

أما الظاهرة الثالثة فتتجلي في البيع الحر لوسائل منع الحمل وللأوقية الذكرية في القطاع الخاص، وفي الحصول عليها بسهولة في القطاع العمومي. هنا أيضا يكمن مظهر من مظاهر ما أسميته "سياسة جنسية عمومية غير مهيكلة"، أي الاعتراف العملي بضرورة حماية النشاط الجنسي غير القانوني من الحمل غير المرغوب فيه ومن الأمراض المنقولة جنسيا، وذلك حماية للصحة العمومية. لا الإسلام ولا القانون يستطيعان اليوم فرض الربط والتزامن بين الجنس والزواج، وبالتالي يصبح الرهان الأساسي هو حماية الجنس من المخاطر التي تهدده وجعله نشاطا سليما.

ما الذي يمنع الدولة من الاعتراف بهذه السياسة "غير المهيكلة" رغم أنها تخدم المصلحة العامة؟

لأننا لسنا إزاء وزارة الصحة فقط، فإلى جانبها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ثم إمارة المؤمنين، والإسلام دين الدولة. لذلك يبقى القانون متخلفا عن الواقع، وشكليا يطبق فقط على فاعلين جنسيين ضعفاء مثل العاملات الجنسيات الرخيصات أو على مرتكبي "الفساد" الذين ليس لهم مال ولا علاقات ولا سلطة.

يمكن أن أضيف أيضا ظاهرة ترميم غشاء البكارة، والتي تمكن أيضا من الجنس الكامل قبل الزواج والعودة إلى "العذرية" ليلة الزفاف. إنها الظاهرة التي تسمح بالجنس قبل الزواج وكأن شيئا لم يكن، فتعطي نوعا من الأمن إلى الفتيات وتسمح لهن بالانفجار الجنسي قبل الزواج دون تبعات لا رجعة منها. إضافة إلى أن العمل الجنسي أصبح حلا لا مهيكلا لمشكل البطالة في صفوف الشبان والشابات، في مناطق كثيرة بالمغرب، السياحية منها على وجه الخصوص.

ماذا عن الظواهر الثقافية، مثل الانفتاح على الثقافة العصرية والغربية خاصة السمعية البصرية منها؟

فعلا هذه ظاهرة مرتبطة هي الأخرى بالانفجار الجنسي. في كتابي "الجنس، السيدا والإسلام"، الذي صدر لي سنة 2000 بناء على دراسة أنجزتها سنة 1997، تعرضت لموضوع التربية الجنسية. حين يطرح المراهق المغربي سؤال الجنس، يجد أجوبة حول منع الحمل والواقي الذكري، لكن لا الأسرة ولا المدرسة ولا الإعلام في المغرب يجيبونه عن سؤال المتعة. لذلك يتوجه إلى البورنوغرافيا التي تصبح "معلمه الجنسي الأول" (كما كتبت). هذا ما يفسر أن النشاط الجنسي عند المراهق يبدأ بشكل مبكر لأن التربية الجنسية التي يتلقاها فاسدة وغير كاملة. إن التربية الجنسية بالمعني الحقيقي للكلمة قيم إنسانية ومعارف وتقنيات تدفع الحاصل عليها إلى تأجيل بداية النشاط الجنسي، وتنبهه لمخاطر الحمل غير المرغوب فيه والأمراض المتنقلة جنسيا. في ظل غياب تربية جنسية نظامية وممأسسة، أصبح المراهق المغربي يمارس ما سميته "الارتزاق الجنسي" بحيث أنه ينقض كل مرة على أية فرصة تتاح أمامه لممارسة الجنس، في مجتمع يحاصره، فيتعرض للمخاطر التي ذكرت.

من المعروف أن الفترة التي شهدت هذا الانفجار الجنسي عرفت أيضا صعود الخطاب الديني، من خلال حركات الإسلام السياسي خصوصا. هل يمكن الحديث عن مفارقة على هذا المستوى؟

فعلا هذه مفارقة أخرى. أميز هنا بين مرحلتين، مرحلة الستينات والسبعينات كان الفكر السائد فيها هو الفكر اليساري التقدمي، فكان الفكر الجنسي من ضمنه منفتحا لكن السلوك الجنسي كان خجولا، ثم في مرحلة الثمانينات والتسعينات أصبح السلوك الجنسي منفجرا والخطاب الجنسي منغلقا. حتى الإسلامويون أنفسهم يساهمون في الانفجار الجنسي، إذ بينت بعض الدراسات أن الإسلامويين أنفسهم (من الرجال والنساء) يمارسون الجنس قبل الزواج دون أية شرعية، فضلا عن بعض الصيغ التي من شأنها إضفاء شرعية إسلامية مثل الزواج العرفي أو زواج المتعة أو زواج المقاررة... الكل إذن يساهم في الانفجار الجنسي في معناه التكاثري.

هل تعتقد أن السلوك الجنسي المتحرر والمنفلت عن المعيار الديني، كما شرحت، يمكن أن يؤدي في المستقبل إلى بروز الوعي بالقيم اللبيرالية العصرية مثل الحرية والفردانية؟

طبعا، أنا أؤمن أننا سوف ننتقل حتما للمرحلة الثالثة التي يحصل فيها الاندماج بين معيار جنسي علماني وسلوك جنسي علماني. اليوم أصبح الناس يعتبرون الجنس حقا من حقوقهم الإنسانية الأساسية. صحيح أن ولادة الفرد في المغرب ولادة عسيرة لكن الجنس ميدان يشجع على تلك الولادة، فالفرد يعي أنه راشد جنسي لكنه يعجز عن التحول إلى راشد اجتماعي بحكم البطالة مثلا التي تمنعه من الزواج، وبالتالي لا ينتظر حتى يتزوج لكي يمارس الجنس. وبالتالي يمارسه ويلبي رغبته ويفرض إرداته، وكل ذلك من إرهاصات الأنا والذات والفرد. وهذا يصدق على النساءأيضا، بل أكثر من الرجال. المرأة هي الرابح الأكبر من مرحلة الانتقال الجنسي لأنها هي التي تعاني أكثر من القمع الجنسي، بل هي موضوع القمع الجنسي بالأساس عبر التاريخ. ولا زلت أتذكر إلي اليوم تلك الجملة التي أجابت بها تلميذة في ثانوية شوقي سنة 1976 على أحد أسئلة أول بحث أنجزته آنئذ في الموضوع، حين قالت لي: "لجنس السطحي دون إيلاج توفيق بين الطابو وبين رغبتي". في ابتكار هذا الحل الترقيعي من طرف بعض الفتيات، بداية التميز، وبداية الفردنة.

Partager cet article

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article

commentaires