Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
28 septembre 2015 1 28 /09 /septembre /2015 11:42

الفصل الثاني

الجنس، حقل تفوق المرأة؟

عند مقاربة القرآن والسنة من خلال موقف لا تاريخي وغيبي، تتحول تلك النصوص إلى ظاهرة مقدسة، وإلى تشريع أنطولوجي غير قابل للتجديد والتغيير. ومعنى ذلك، في الميدان الذي يهمنا بالخصوص، إن دونية المرأة (القانونية والاجتماعية) في النص المقدس هي وضعيتها المثالية والنهائية، وإن الدرجة التفضيلية الفارقة عمل مؤسس وثابت في العلاقة بين الرجل والمرأة، وذلك مهما تغيرت الظروف والأحوال.

إلى جانب هذه المكانة الثابتة، يضيف الموقف اللاتاريخي الغيبي صفة أخرى لا تقل أهمية من حيث الدور الذي تلعب في تأسيس "ذات" المرأة وطبيعتها. إنها الشبقية. فالمرأة أسيرة شهوة جنسية عارمة تفقدها كل سيطرة على تصرفاتها وأحكامها ومواقفها. قوة هذه الشهوة وطغيانها يحولان المرأة إلى كائن مخيف ومسيطر، ينظر إلى الرجل من فوق وبتحد. ذلك أن إمكانيات الرجل الجنسية محدودة. بل وقاصرة على إشباع هذه الشبقية اللامتناهية. ومن ثمة، ألا يجوز القول بأن للنساء عليهم درجة؟

مجمل القول إذن أن المرأة :

1 – كائن دوني وقاصر في الميدان القانوني والاجتماعي

2 – كائن متفوق ومتسلط في الميدان الجنسي.

ما سر هذه الازدواجية ؟ هل هناك تعارض حقيقي بين هاتين الصورتين ؟ ما العلاقة بين الخطاب التشريعي النموذجي الذي يضع المرأة في المرتبة الثانية وبين الخطاب الذي يجعل منها الكائن المتسلط ؟ هل هي علاقة قطعية ؟ أم استمرار؟ أين نعثر قبل كل شيء على صورة المرأة / الشهوة ؟ ما هي النصوص المؤسسة والحاوية لهذه الصورة ؟ هل هي نصوص هامشية، بدعية، مجانبة للسنة والتقليد؟ متى ظهرت ؟ ولم ظهرت ؟

يذهب صلاح المنجد ([1]) إلى إن ظهور المؤلفات الجنسية في العالم العربي الإسلامي يرجع إلى بداية القرن الثالث الهجري. ورغم أن أسباب ظهور هذا النوع من الكتابات متنوعة ومختلفة، يمكن إجمالها في النقط التالية:

1 – تطور الحضارة العربية الإسلامية وامتزاجها بالحضارات الشرقية، الهندية والفارسية على الخصوص. وقد أدى ذلك التثاقف إلى حركة ترجمة واسعة شملت المؤلفات الجنسية كذلك .

2 – قدوم الجواري من مختلف إنحاء الإمبراطورية الإسلامية يعني قدوم تقنيات وعادات وممارسات جنسية جديدة ودخيلة، مختلفة ومتنوعة.

3 – تطور الذوق فيما يتعلق بجمال المرأة . فمقاييس الجمال اختلفت باختلاف المراحل الإسلامية، وباختلاف الشعوب الإسلامية ([2]).

4 – وجود طبقة مترفة تعيش في البذخ والمجون، وفي بحث مستمر عن الجديد في الميدان الجنسي. وهذا ما يبين إن معظم المؤلفات الجنسية كتبت استجابة لرغبة الملوك والأمراء والأعيان ([3]).

أدت هذه العوامل، مجتمعة، إلى انتشار وازدهار الخطاب الجنسي. والمعروف منه، "يمتد – حسب بوحديبة ([4])" – من الجاحظ إلى حسن خان على الأقل، أي على ألف سنة تقريبا. ومن المؤسف أننا لم نحتفظ بكل شيء. ففهرسة ابن الناظم تعطينا، في نهاية القرن العاشر، عناوين مائة دراسة فقدت كلها. والبعض ما يزال على شكل مخطوطات في الخزانات العمومية أو الخاصة، الغربية منها والشرقية".

من الكتب الجنسية المغربية التي ما تزال مخطوطة إلى اليوم، تجدر الإشارة إلى كتاب "نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب" لصاحبه احمد بن يوسف التيفاشي([5]). والغريب في هذا الكتاب إنه مركز بالخصوص على الممارسات الجنسية المحرمة. كيف يمكن ارتكاب الزنا دون مخاطر؟ كيف يمكن التعرف – من بعيد ومن وراء حجاب – على امرأة راغبة في الجماع ؟ كيف يمكن إغراء المراهقين ؟ تلك بعض الأسئلة التي يحاول التيفاشي الإجابة عليها.

إلا إن الكتاب الجنسي الذي نال شهرة وشعبية كبيرة في المغرب([6]) هو، بدون منازع كتاب الشيخ محمد النفزاوي : "الروض العاطر في نزهة الخاطر" . إنه الكتاب – النموذج للأدب الجنسي. ذلك إن إحاطته بمعظم جوانب تقنيات الفعل الجنسي، بالإضافة إلى بساطة أسلوبه جعلا منه كتابا شعبيا ومتداولا. ونود في هذا الجزء من التحليل إن نقف على موقف النفزاوي من المرأة ، ومن خلاله، على الرؤيا العامة الملازمة لكل أدب جنسي عربي إسلامي.

منذ البداية، توضع المرأة "كانسان" في بحث دائم عن الذكر :

وأنتن أيها النسوان ليس لكن صبرا على الإير هذا القول مشتهرا

فيه حياتكم أيضا وموتكـم وفيه رغبتكم في السر والجهــر"

بالإضافة إلى هذه الأبيات، نجد الكثير من القضايا الاعتباطية التي لا تقوم على برهإن، والتي تجعل من البحث عن الرجل إحدى البديهيات الأولية مثل :

  • "ألم تعلم إن النساء دينهن وعقلهن في فروجهن".
  • "لكن النساء أشد محبة في الأيور من الرجال في الفروج "

اعتبارا لهذه الصفات، تصبح إثارة المرأة أمرا سهلا بواسطة الكلام الجميل (الشعر)، أو العطر أو تقديم الإير القوي والمنتصب. وكدليل على فعالية هذه "الحيل"، يروي الشيخ النفزاوي بعض الحكايات التي تؤكد ما يقول. من هنا تبرز للقارئ صورة عن امرأة سهلة، فاقدة لكل سيطرة على نفسها وخاضعة لغرائزها الجنسية. في إطار هذا البحث الدائم عن الذكر ، تتميز المرأة بمقدرة كبيرة على التحايل. ومن "أحسن" الأدلة على تلك القدرة، قصة تلك المرأة التي استطاعت إن تجامع حمارا دون إن يفطن زوجها للأمر. وعلى كل، فإن المرأة تحقق دائما هدفها (الحصول على الذكر) سواء كان ذلك عن طريق الحيلة أو التهديد أو الجرأة. وكيف يمكن إن يكون الأمر غير ذلك إذا سلمنا مع النفزاوي بأن المرأة تساوي فرجها في نهاية المطاف، دون شرط ولا قيد. ويمكن أن نفهم انجذاب المرأة إلى الجنس إذا أعدنا إلى الذاكرة تلك الأسماء – الصور التي تتعلق بالفرج. ولن نكتفي بالقول مع بوحديبة "بأن هناك علم شبقى Erotologie على مستوى التسمية" ([7])، وإنما نضيف إلى ذلك إمكانية وجود شبقية على مستوى الكلمة، أو نوع من "الأورجاسم" اللغوي. فالكلمة، باعتبارها إرجاع إلى حالة، تخلق نفس الإحساس (باللذة) عن طريق نوع من الترابط. ومن بين الأسماء الواصفة للفرج، يمكن التركيز على أربعة منها تعكس جيدا إدراك الرجل للفرج، بل تعكس كل إحساساته واستيهاماته وتخوفاته. والأسماء الأربعة هي : الثقيل – الطالب – الصبار – الدكاك. فالثقيل هو الفرج الذي تهرب منه الأيور نظرا لكثرة طلباته، وهو على حد تعبير النفزاوي "لو دخلته أيور الرجال لما أهمه ذلك، ولو أصاب لزاد فيكون الإير في الهرب، وهو وراءه في الطلب". والطريف هنا هو إن هذه الصورة معاكسة تماما للنموذج الجنسي الذكوري، إذ من المعتاد إن يطارد الرجل المرأة، وإن تكون المرأة شيئا باردا في غير مستوى فحولة الرجل. أما هنا وعلى مستوى الخطاب الشبقي، فالفرج لا يفتأ عن طلب (الطالب) الذكر الجيد، أي عن "كبير المتاع، القوي الغليظ، البطيء الهراقة والسريع الإفاقة". وبديهي إن الفرج الذي يستحمل كل هذا العبء بفرح ولذة لا بد وإن يكون "صبارا"، بل ودكاكا : إنه يستهلك الذكر ويدكه إلى إن يفرغه من محتواه وقوته. من أجل ذلك، على الذكر إن يكون قويا، وألا يعرف إنواع العجز الجنسي.

في إطار هذا الصراع الشبقي، وضع النفزاوي بابا خاصا فيما يقوي الذكر على الجماع، وبابا آخرا يتعلق بالزيادة في حجمه، وبابا يهتم بالعجز الجنسي . ففي الطبعة المنتشرة بالأسواق المغربية، يتحدث الفصل السابع عشر عن العجز الجنسي وكأنه ظاهرة فيزيولوجية صرفة تستلزم علاجا كيميائيا صرفا. إلا أن بوحديبة ([8]) يشير إلى بعض المقاطع (المحذوفة من الطبعة المذكورة) التي تعطي أهمية قصوى للبعد السيكولوجي. وقد عثر عليها في ترجمة ليزيو Lisieux لكتاب الشيخ. وفعلا، يذهب النفزاوي – حسب هذه الترجمة المؤسسي " إلى إن العجز الجنسي ينتج… أولا عن برودة عامة في الطبع يمكن القضاء عليها بوسائل مختلفة (…) فالعلاج بالإيحاء (…) يكون ذا فعالية كبيـرة إذا كان المريض انفعاليا"([9]). إمكانيات مفاهيم المزاج والطبع، علاوة على مفاهيم البرودة والإيحاء والانفعالية، مفاهيم ذات دلالة سيكولوجية واضحة. والشيخ النفزاوي نفسه يرى بأن الشبقية Erotisme دواء جيد ضد القلق وضد العجز الجنسي، وفي ذلك خروج عن المنظور الفيزيولوجي المحض. فالملاعبة والملامسة والقبلة المحكمة واللذية من الوسائل التي تهيج الرغبة وتقضي على القلق. والغريب في الأمر إن مثل هذه المواقف محذوفة تماما من الطبعة المتواجدة في المغرب، بل والأغرب من ذلك إن هذه الطبعة نفسها سرية حيث يجهل القارئ تاريخها واسم ناشرها ومدينة نشرها.

على كل وبخصوص النقطة التي نحن بصددها، يمكن إن نتساءل فيما إذا كان حذف البعد السيكولوجي يستجيب إلى الرؤيا الشعبية للعجز، تلك الرؤيا التي تختزله في الضعف الفيزيولوجي الجسماني. ومن ثمة يغدو التركيز على الجانب الفيزيولوجي من الوسائل الناجعة لإحياء "سوق الأعشاب" السائرة في طريق الانقراض. ولا شك إن تناول هذه الأعشاب – حسب النفزاوي وحسب الرؤيا الشعبية السائدة – يقضي على كل برودة جنسية ويهيئ الذكر للقيام بالأدوار البطولية. فالدليل على ذلك قصة يرويها النفزاوي في أبيات شعرية :

وحتى أبو الهيلوج قد قام إيــره ثلاثين يوما من تقويـــة البصـل

وأيضا أبو الهيجاء قد افتض ليلـة ثمانين بكـرا عن تمـام ولم يكــل

وكان أبو الهيجاء يأكـل حمصـا ويشرب لبن النوق ممزوجا بالعسـل

ولا تنس ميمونا فقد بلغ المنــى على نكحها خمسين يوما بلا مهــل

فما فرح الميمون يوما لشرطهـا وزاد على الخمسين عشرا ولم يمــل

وكان غذاء العبد ميمون دائمــا مخاخ أصفر البيض بالخبز إن أكــل

من الواضح إن خطاب النفزواي في هذه الأبيات خطاب ذكوري بالأساس. ومن المنطقي في هذا الإطار ألا يأخذ الرجل متعة المرأة بعين الاعتبار. لكننا، على عكس ذلك، نجد الشيخ يلح على ضرورة اللذة المتبادلة والمشتركة. ذلك إنه لا ينبغي اعتبار المرأة مجرد أداة يستمتع بها الرجل، كما توحي بذلك عبارة : " إلق بها على الأرض" . فالنفزاوي لا يكتفي بالتأكيد على عدم شذوذ الأورجاسم orgasme النسوي، وإنما يرى فيه شرطا أساسيا لنجاح الفعل الجنسي برمته. ومرة أخرى، نشير إلى إن مبدأ الاورجاسم المشترك مبدأ مسكوت عنه في الطبعة الشعبية المتداولة بالمغرب. وبالفعل، فإن تلك الطبعة تظهر دائما متعة المرأة بالمظهر السلبي وتقدمها بصفتها شذوذا وغلوا في الرغبة. لكن الشيخ، حسب ترجمة ليزيو Lisieux ، يؤكد إن متعة المرأة شرط ضروري وجزء لا يتجزأ من متعة الرجل. يقول الشيخ : "يجب إن تكون اللذة مشتركة لكي تتحقق فعلا حفلة الحواس : إن الرجل الذي يهتم بلذته فقط، دون إن يحرص على إمتاع عشيقته، ما هو إلا إنسان شبقي يضيع قواه الجنسية… هذه هي تعاليم العلي من أجل إنجاح فعل أساسي لا ينبغي إن يتحول إلى عمل شاق ومرهق، ومن أجل إن يبقى وسيلة للشعور بالسعادة وذلك عن طريق إسعاد امرأة" ([10]). ضرورة الأورجاسم المشترك لا تدل على وجود سوق جنسية يتعامل داخلها الطرفان حسب قانون القصاص أو المقايضة : العين بالعين والأورجاسم بالأورجاسم. ذلك إنه لا يمكن بتاتا التحدث عن سياسية جنسية تبادلية أو منفعية في الروض العاطر. فالقارة الجنسية، في الحضارة العربية الإسلامية، ليست قارة مستقلة عن الحقل الديني القدسي، ولا ترضخ إلى قواعد "اقتصاد اللذة" بالأساس.

ماذا يعني حذف مبدأ الأورجاسم المتبادل من الطبعة المتداولة في المغرب ؟ هل يدل على رغبة الرجل المغربي في إبعاد المرأة عن قارة اللذة والشبق ؟ هل الزواج المبكر عادة تعزز هذا الافتراض؟ إن قارة اللذة هي في الواقع ممنوعة بالنسبة للمرأة في إطار المنظور الاجتماعي التقليدي، لأن اكتشاف اللذة كحق بداية لمسلسل التمرد على النموذج الجنسي التقليدي البطريركي.

إن "الروض العاطر" رغم إبرازه لبعد الرغبة عند المرأة، لا يتجاوز التشييئ ولا يضع المرأة كذات، أو كحرية. على العكس من ذلك، يتم تشييئ المرأة حين يركز النفزاوي على الجسد، بل وحين يختزل المرأة في الجسد-الرغبة أو في الجسد المجمل والمهيأ للاستهلاك. وبالفعل يلح النفزاوي على ضرورة تجميل الجسد، أي تهييئه لاختطاف أكبر قدر ممكن من اللذة. فالحمام والعطر واللباس والأكل، كل هذه الأشياء، وهي أمور الحياة اليومية العادية، توظف وتخضع إلى غائية عليا (اللذة) وتغدو شرطا ضروريا لكل فعل جنسي. من خلال هذه التحضيرات ، تبرز نظرية معينة عن الزمن، تخضعه بأكمله للجنس. ومن ثمة، لا يمكن اختزال الفعل الجنسي في لحظة الجماع فقط، وإنما يجب النظر إلى كل أفعال الحياة اليومية كأفعال جنسية تهدف كلها إلى غائية واحدة : المتعة. إن مرور الزمن ليس اقترابا من اللذة، إنه متعة في ذاته. مما لا شك فيه إن هذه الرؤيا عن الجسد والزمن ، القائمة على قيم جمالية – شبقية بالأساس، تدفع حتما إلى التساؤل عن الخلفية الطبقية للروض العاطر. هل يمكن لظواهر مثل تجميل الجسد ومعاناة الزمن – اللذة إن تشكل ظواهر ما فوق طبقية ؟ بديهي إن تجميل الجسد وتحضيره عن طريقة العطر واللباس مسائل تتطلب إمكانيات مادية أكثر من متوسطة. بالإضافة إلى ذلك، يستلزم اقتطاف اللذة زمنا فارغا غير متبوع بمشاكل الحياة ومكانا خاليا من الأشخاص اللامتعويين (الأطفال – الزوجات – أعضاء الأسرة). يظهر إذن إن الغنى والفراغ يحدان كثيرا من شمولية الرسالة النفزاوية. فالقصص التي يرويها النفزاوي نفسه كثيرا ما تحدث في القصور وعند النبلاء. إن هذا الوسط المتحرر من متاعب المشاكل المادية هو في نهاية المطاف الإطار القابل لاتباع الرسالة النفزاوية باعتبارها تحتوي على الصورة "النموذجية" للفعل الجنسي، وعلى المبادئ والقوانين العلمية المنظمة للحقل الجنسي.

إن ربط "الروض العاطر" بالشرائح العليا من المجتمع المغربي ما قبل الكولونيالي يحتم علينا على الأقل طرح التساؤل التالي : كيف أصبح "الروض" كتابا شعبيا ومتداولا في الأوساط المتواضعة ؟ هل يجب إن نرى في هذه الظاهرة تجسيدا لانحطاط الثقافة النخبوية التقليدية عند اصطدامها بالثقافة العقلانية العصرية؟ ألم تصبح هذه الثقافة علم أولئك الذين ليست لهم إمكانيات للحصول على ثقافة العصر؟ إن انتقال "الروض" من حقل ثقافة النخبة إلى حقل ثقافة الهامش ليس دليلا على تطور علمي محض (حصل في ميدان الجنس) بقدر ما هو رمز على فقدان مجتمع لسيادته، فأصبحت ثقافته ثقافة هامشية ومحيطية.

في بداية هذا الفصل، انطلاقا من الملاحظة التالية :

إن التصور اللاتاريخي يؤدي إلى استخراج صورتين متناقضتين حول المرأة : المرأة كائن دوني / المرأة كائن متفوق. فالخطاب الفقهي ينطلق، في تحديد أحكامه، من كون المرأة كائن ناقص، في حين يرتكز الخطاب الجنسي (والذي لا يقل سنية عن الأول) من القول إن المرأة تفوق الرجل وتتسلط عليه في الميدان الجنسي. يبلغ التناقض الظاهر بين الخطابين إلى درجة تبرير تعدد الزوجات من أجل إشباع الفحولة اللامتناهية للمؤمن (في الفقه)، وإلى درجة تبرير كل القيود والتضييقات المسلطة على المرأة (من طرف الفقه) لأنها لو تركت حرة لما استطاعت الاكتفاء برجل واحد (الخطاب الجنسي). من خلال هذه المفارقة، يتبين وجود استمرارية عميقة بين الخطاب الفقهي والخطاب الجنسي تجعل القول بالتناقض بين المرأة الدونية والمرأة المتفوقة قولا واهيا. إن الوقوف عند ذلك التناقض ضرب من السذاجة وعدم التبصر. فالمرأة / الشهوة ما هي إلا مكبوت المرأة الدونية. وبتعبير آخر، يتسلط الفقه السني الذكوري على المرأة من أجل ضبطها لأنها في حاجة إلى مراقبة، في نظر الفقه نفسه. ومن ثمة، فإن المنظور الذي ينطلق من تصور مسبق عن الطبيعة الجنسية الإنثوية لا بد وإن ينتج تقنينا معينا يواجه خطر الأنثى. وتبسيطا لهذا الميكانيزم، يمكن رسم الجدول التالي :

اللحظة الأولى : إدراك المرأة كسر مبهم، كخطر، كإغراء، كجنس لا متناهي.

اللحظة الثإنية : شعور الرجل بالاعتداء، بالخوف، بالنقص.

اللحظة الثالثة : - تحقير المرأة / تمجيد الأم.

- وضع قانون دفاعي يحمي الرجل من تسلط المرأة.

- ظهور هذا القانون بمظهر القانون الذكوري المتسلط على المرأة التي تصبح في حاجة إلى قانون يحميها ويحررها.

إلا إن السؤال الذي يجب طرحه هو : هل هذا الميكانيزم المرتكز على ثنائية الاعتداء / الدفاع خاص بالتحديد الإسلامي للعلاقة بين المرأة والرجل ؟ أم أنه يتواجد على صعيد كل قراءة تجعل من "الفرضية القمعية" إطارها النظري – الإيديولوجي العام ؟

[1] - صلاح المنجد : "الحياة الجنسية عند العرب". مطابع دار الكتاب، بيروت 1958.

[2] - عبد الوهاب بوحديبة : "إن البطون المتجعدة التي كانت متعة رجال الجاهلية فقدت نفوذها قبل إن تسترجعه مع الإمبراطورية العثمإنية. أما الأمويون والعباسيون فقد أحبوها (البطون) ناعمة وملساء (…) كانت المرأة ماقبل الإسلامية تقارن بكل بساطة بالبقرة وبالغزال، وبالقمر، وبالشمس. وقد إندثرت هذه الإحالة إلى الطبيعة حيث أصبحت المرأة محبوبة من اجل ذاتها، وحيث غذت مقاييس الجمال بشرية أكثر مما كانت عليه" . « La Sexualité en Islam" op. cit. P. 173.

[3] - وهذا ما يشير إليه الشيخ النفزاوي نفسه في "الروض العاطر". انظر مقدمة ذلك الكتاب.

[4] - عبد الوهاب بوحديبة : « La Sexualité en Islam" op . cit. p. 173.

[5] - توجد نسخة من هذا المخطوط في الخزانة الوطنية بباريس تحت رقم

3054 – Ir – 643 (1) I - 892

[6] - فيما يتعلق بالشرق، يمكن ذكر المؤلفات التالية:

  • الجاحظ: "مفاخرة الجواري والغلمان".
  • ابن نصر: "جوامع اللذة".
  • ابن كمال باشا : "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه"
  • السيوطي : "الإيضاح في علم النكاح" . – "الرحمة في الطب والحكمة".

[7] - عبد الوهاب بوحديبة : « La Sexualité en Islam" op. o . 180 .

[8] - عبد الوهاب بوحديبة : « La Sexualité en Islam" op. p . 187 .

[9] - I. Lisieux : « Le jardin parfumé ». Paris Editions Bonneau 1886 p . 248.

[10] - I. Lisieux : « Le jardin parfumé ». op. pp. 99-101 .

Partager cet article

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article

commentaires