Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
31 octobre 2015 6 31 /10 /octobre /2015 12:59

دكتور الديالمي، لنبدأ هذا الحوار بسؤال عن تراجع دور المثقف في التأثير في ما يجري من حوله. كيف ترى هذا الدور في السياق المغربي الراهن؟

ليس للمثقف تأثير مباشر على ما يجري حوله. تأثيره يمر عبر وساطات، أساسا وساطة الأحزاب السياسية، ووسائل إعلام. أما كتاباته ومحاضراته فتأثيرها محدود ولو في المجتمعات القارئة والمتابعة للأحداث الثقافية. في المغرب، ارتبط مفهوم المثقف (الملتزم بقضية والمدافع عنها رغم كل المخاطر) باليسار، بالدفاع عن المساواة والحرية، بالدفاع عن الجماهير الشعبية. بتعبير آخر، كان النظام السياسي استبداديا، وكان المثقف جزء لا يتجزأ من المعارضة السياسية، بل كانت المعارضة السياسية تعبر عن نفسها من خلال الفعل الثقافي، في الكتابة بكل أشكالها. وذلك رغم القمع الذي كان مسلطا على المعارضة بكل أشكالها، السياسية والثقافية. اليوم، تراجع اليسار على الصعيد الدولي منذ انهيار جدار برلين ومنذ تحلل المعسكر الشيوعي. وتراجع اليسار المغربي بفعل الانشقاقات التدريجية التي حصلت داخل "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" وبفعل مساهمته في مسلسل ديمقراطي شكلي أدي به إلى المشاركة في "حكومة جطو". في تلك المشاركة خيانة للمنهجية الديمقراطية من طرفه (أيضا). وأخيرا مساهمة "حزب التقدم والاشتراكية" في حكومة يقودها إسلامويون تعني أن اللعبة السياسية انتصرت على المرجعية الفكرية، فانمحت مثل اليسار العليا أمام مصالح سياسوية ضيقة لا أفق استراتيجي لها. تراجع اليسار هذا إعلان عن موت اليوتوبيا، أي عن فقدان الإيمان بمستقبل أفضل. إنه فوز ليبرالية جديدة وحشية لا تؤمن بمصالح الجماهير الشعبية، فوز يقضي على الحلم، وعلى الوعد. في هذا السياق، تحول المثقف نفسه إلى إنسان يبحث عن منصب سياسي لكي يستفيد من اقتسام الكعكة، وفي أحسن الأحوال أصبح خبيرا مستشارا يساهم في بلورة السياسات العمومية، أي في فعل تدبير الوضع الاجتماعي والسياسي القائم من أجل تحسينه (وليس تثويره). وهنا فقد المثقف وظيفته النقدية الجذرية. من الممكن القول أن ما يسمى بالمجتمع المدني، خصوصا الجمعيات الحقوقية والنسائية، أصبح يضطلع اليوم بمهمة التنديد والمطالبة، فهو اليوم بمثابة البديل الذي عوض المثقف. في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن كل جمعية تتخصص في موضوع معين، فيتمركز ملفها المطلبي على موضوع معين، وهو الشيء الذي نجده عند بعض المثقفين أيضا الذين يتخصصون في الدفاع عن قضية رئيسية واحدة. أيضا، لا بد من الإشارة إلى دور الشبكات الاجتماعية الإنترنيتية في التعبير وفي التعبئة. إن الليبرالية الجديدة التي تتماشى مع المد الإسلاموي المعتدل الممخزن قضت على الحاجة الاجتماعية والسياسية إلى مثقف يناضل انطلاقا من مرجعية يسارية توظف مصطلحات الصراع الطبقي والاستغلال.

لماذا المغاربة عدوانيون فيما بينهم على الطريق وفي الشارع وداخل بيوتهم، متوددون حد التملق للأجنبي؟

من سمات الثقافة المغربية المعاصرة، ميلها إلى العنف اليومي، نظرا للاكتظاظ السكني والسكاني، ولكبر حجم المدن وغياب علاقات اجتماعية حقيقية وحميمية، ولتراجع علاقات الجوار والحي. إلى جانب هذه العوامل هناك غياب تربية مدنية تجعل من المغربي إنسانا محترما للآخر. لماذا لا يحترم المغربي المغربي الآخر؟ لأنه لا يحب نفسه (كما سبقت أن كتبت سنة 2009)، وهو لا يحب نفسه كمغربي لأنه يعرف بشكل عام أنه أناني، كاذب، منافق، دون كلمة، انتهازي، متملق، راش ومرتش، خنوع. إنه لا يحب نفسه لأنه لا يحب هذه الصفات في ذاته. طبعا، يسقط المغربي كل هذه الصفات اللأخلاقية على الآخرين، على كل مغربي مغربي، فلا يحترم ولا يثق أحدا لأنه لا يحترم نفسه ولا يثق فيها. لماذا أصبح المغربي على هذا الشكل؟ لأنه ضحية/نتاج سياسات عمومية تطالبه بالقيام بواجباته دون أن تمنحه حقوقه الأساسية في التعليم والصحة والشغل والسكن والتغذية. إنها تعامله باحتقار دون اعتبار لكرامته ولمواطنته وتدفعه إلى شراء أبسط حقوقه بفضل الإرشاء أو الوساطات (العائلية، القبلية، الجهوية، المخزنية، الحزبية، النقابية...). هذا ما يفسر عدوانية المغاربة تجاه بعضهم البعض، إنها حرب أهلية في الطرق، في كل الطرق، المادية والرمزية، في كل الأوضاع، وفي كل الوضعيات. تجاه الأجنبي (القادم من الشمال) سلوك آخر، سلوك احترام وتقدير تجاه مواطن ذي كرامة وذي مواطنة تحميها دولة، سلوك تودد تجاه إنسان مستقيم أخلاقيا، بفضل علاقات جنسية رضائية ورغم احتساء الخمر أيضا، ورغم لا تدينه أو بفضل تدينه الحر، ورغم انتماءه لدولة علمانية. وفي بعض الحالات تودد مصلحي منفعي انتظارا لخدمة ما، أو تودد لتقديم صورة وهمية عن المغرب كبلد مضياف، أو بكل بساطة عقدة الآخر المتفوق في كل المجالات دون استثناء، بما فيها الدينية والروحية.

من منظورك كعالم اجتماع، كيف نقرأ ارتفاع منسوب العنف بأشكاله المختلفة، مع ما يرافقه من انتشار كبير ومخيف للجريمة العنيفة والمروعة في المجتمع؟

في نظري، هناك ثلاثة عوامل رئيسية تفسر ارتفاع السلوك الجرمي في المغرب هي الحرمان، تقهقر التربية الأخلاقية وهيمنة ثقافة العنف. إن الحرمان المادي والعاطفي هو المحرك الأساسي لعدوانية تصل إلى حد الجريمة. فالعنف المروع والوحشي الذي يميز بعض الجرائم يمكن أن يؤشر على شخصية مريضة غير سوية تحتاج إلى علاج نفسي، لكنه يحيل أيضا وفي معظم الأحيان إلى شدة الحرمان وإلى الحاجة إلى تفريغ وحشي كلي. إنه، أي العنف الوحشي، رسالة إلى مجتمع وإلى دولة غير عادلين، وإلى أسر أصبحت تفرط في رسالتها الأخلاقية لتركز على تربية دينية شكلية لا مبادئ ولا قيم ولا روح فيها. وأصبحت الثقافة الإسلامية السائدة نفسها ثقافة عنيفة، ثقافة تنادي بالعنف وتأمر به من خلال تعزير المسلمين "الفساق" أو إباحة دماء المسلمين "المرتدين"، كما أن هناك نماذج عنف تستقى من أفلام أجنبية تقدم جرائم بشعة للمشاهد. وهي مشاهد تجد صدى في نفسية البعض فتلهم سلوكات عنيفة ووحشية.

في سياق تنامي الانحراف الاجتماعي دائما، يسجل المتتبع تناميا لمستوى الجريمة الجنسية، خصوصا منها حالات الاغتصاب في حق الفئات الاجتماعية الأضعف (أطفال، عجائز، ذوي الاحتياجات الخاصة).. ما الذي يغذي هذا النزوع الغرائزي المنحرف؟

إن الفئات المذكورة في سؤالك هي الفئات الأضعف، أي تلك التي لا تستطيع المقاومة أو التصريح بالاغتصاب. وهذا ما يشجع على استهدافها. ويعني ذلك أن استهداف هذه الفئات لا يعني بالضرورة وفي معظم الحالات انحرافا جنسيا، وإنما بحثا عن متعة سهلة وسريعة، أي عن إفراغ طاقة جنسية حارقة عاجزة عن الانتظار. فالحرمان الجنسي يوصل صاحبه إلى الخضوع المطلق لمبدأ اللذة من خلال استهداف أشخاص ذي هشاشة (عمرية، جسدية أو ذهنية) من أجل قضاء حاجته دون مقاومة ومع مخاطر متابعة أقل. لا ينبغي أن تخفي ظاهرة اغتصاب الفئات الهشة ظاهرة اغتصاب الفتيات والنساء (وهي الظاهرة الأكثر انتشارا وتكرارا)، ومن ضمن هؤلاء النساء المتزوجات اللاتي يرغمن على ممارسة الجنس دون رغبة منهن أو في أعضاء معينة من جسدهن. فالظاهرة التي ينبغي أن تثير اهتمامنا أكثر، واشمئزازنا، هي اغتصاب الفتيات والنساء لمجرد وجودهن في الشارع العام دون حجاب. في إطار بحث أنجزته حول "إشراك الرجال والفتيان في محاربة العنف ضد النساء"، قال لي أحد المبحوثين في تمارة: "إذا صادفت في الحادية عشرة ليلا فتاة ترتدي تنورة قصيرة، فمن حقي اغتصابها". هذا "الرجل" يعتبر الاغتصاب حقا وفعلا تربويا يعلم الفتاة ألا تخرج وحدها ليلا بلباس مثير. إنها قمة الأخلاق الأبيسية الذكورية التي تعكس في الواقع مجتمعا مغربيا مختلا جنسيا. معظم الاختلالات الجنسية ذات طابع اجتماعي، وليس نفسي. "الحل" السائد الذي يقدمه ذلك المجتمع على الحرمان الجنسي (البنيوي) هو الاعتداء الجنسي على الفئات الهشة، وعلى رأسها الفتيات والنساء. يكمن الحل الحقيقي في إباحة علاقات جنسية رضائية. وأيضا في إعطاء المغاربة تربية جنسية تقوم على تكريس الرضا المتبادل الحر كشرط أساسي في كل علاقة جنسية إنسانية حقيقية وعلى حماية الجنس من خطري الأمراض والحمل غير المقصود. وطبعا، ينبغي مراجعة القانون الجنائي مراجعة جذرية أو سن قانون خاص لمحاربة (كل) أشكال العنف ضد النساء، بدء من تسهيل تسجيل الشكاية إلى تشديد العقوبة مرورا بتسهيل وسائل الإثبات.

طيب، لننتقل إلى موضوع راهن أنفقتَ في دراسته وقتا وجهدا كبيرين، وأقصد موضوع الدين بإشكالاته الكثيرة، ولنبدأ بأكثرها ضغطا على واقعنا الراهن أي الإرهاب... ففي كتابك الصادر قبل عشرين عاما "السكن، والجنس والإسلام"، بلورت من خلال دراسة ميدانية طروحات مثيرة للدهشة، من قبيل أن مدينة غير فعالة جنسيا بالنسبة للفرد المغربي هي مدينة منتجة للتطرف. كيف ذلك؟

بالفعل. لنأخذ مثالاً بسيطاً من كتابي "السكن، الجنس والإسلام": حين يجعل النظام أُسَراً كثيرةً تعيش في منازل ضَيِّقَة، بل ويجعل كل أفراد الأسرة يعيشون في غرفة واحدة أو في غرفتين، وينامون كلهم في غرفة واحدة أو في غرفتين، أي في منزل دون حيطان، دون فارق فيزيقي بين الجنسين، فإنه يدفع تلك الأسرةإلى تبني أخلاقيات جنسية مُتَشدِّدَة، في فضاءها الخاص. وفي الفضاء العام أيضا، حين يرى الرجل فتاةً لابسةً بشكل حداثي وتتصرف كمواطِنَة حُرَّة في لباسها، يرى في ذلك أن سيادته الرجولية وامتلاكه للفضاء العام قد أصبحا مهددين، فيذكرها بسيادته عن طريق الاعتداء الجنسي بكل أشكاله (من التحرش إلى الاغتصاب). ويذكر المرأة أنها "عَوْرَةً" وأن عليها أن تستر جسدها وأن ترجع إلى البيت لتصير شيئاً يمكنه أن يتصَرّف فيه كما يشاء. بتعبير آخر، يوظف رجل الشارع الإسلام لكي يمدد سيطرته الرجولية التي فقدت أسسها الاقتصادية بشكل لا يستهان به. فهو لم يستوعب بعد أن الشارع العام هو من حق كل المواطنين، بغض النظر عن كونهم نساء أو رجالاً. لم يهضم بعد أن المرأة سيدة جسدها، كما لم يهضم بعد فكرة المساواة بين الرجل والمرأة. كل تواجد للمرأة في الفضاء العام، في المقهى، في الحافلة وفي الشاطيء يعتبره الرجل استفزازاً له، وبالتالي يعنفها عليه بشكل من الأشكال، ويري أن تعنيفه لها مجرد رد فعل على الاستفزاز، أو يُطالِب بالفصل بين الجنسين، وبالحجاب أو بالنقاب أو بحجز المرأة في البيت. كل ذلك وقوع في منظور إسلاموي سلفي راديكالي للمرأة. منظور يحاول بفضله المسلم المقهور اقتصاديا وثقافيا أن يضع حدا لعجزه الحداثي عن إخضاع المرأة. إنه وقوف في طريق ولادة المرأة المتحرَّرة من قيود الأبيسية الذكورية.

من الخلاصات الأخرى المثيرة التي تضمنها كتابك (السكن، والجنس والإسلام)، أن سكن أسرة من ستة أفراد لا ينبغي أن تقل مساحته عن 90 مترا مربعا التي اعتبرتها حدا أدنى. فإذا أخذنا في الاعتبار بأن مساحة ما يسمى "السكن الاجتماعي" باتت تقل عن 50 مترا مربعا في هوامش الحواضر الكبرى، ما تأثير ذلك على الوضع الاجتماعي؟

تأثير ذلك هو إنتاج الشخصية المريضة المهتزة نفسيا أو الشخصية المتطرفة التي تستقطب لا حقا من طرف الحركات الإسلامية الراديكالية الإرهابية. فالاكتظاظ السكني يبلغ في بعض الأحيان عتبة مرَضِية تجعل الأفراد يعيشون أزمات نفسية خانقة. إن السكن عامل من عوامل تحقيق الرضا الجنسي، فإن لم يقم السكن بتلك الوظيفة أحسن قيام، فإنه يتحول إلى عامل حرمان جنسي يؤدي على الأقل إلى العدوانية اليومية ضد الآخرين، أو إلى الاعتداء الجنسي على الفئات الهشة، أو إلى الإرهاب في "تفجير الذات"/استشهاد، وفي ذلك إرادة "الحريك نحو الجنة" حيث الحوريات في انتظار الشهداء" (كما كتبت سنة 2003 بعد تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية).

بالعودة إلى موضوع الدين وإشكالاته الراهنة، أنت ترى في الحداثة تحقيقا لأسمى القيم القرآنية. كيف للحداثة أن تكون انعكاسا لقيم دينية؟

من الممكن أن نقرأ الشريعة كنظرية لا تمييزية ومساواتية بين الجنسين. هذه القراءة تنطلق من أطروحة حياد الشريعة ومن الاعتراف بكل المكونات التاريخية للإسلام في تعريف الإسلام. هذه المكونات رمزية مثل الفقه والتصوف، الفلسفة والعلوم والآداب، وهي أيضا مادية مثل الفنون والمعمار... كل هذه المكونات التي تفوق فيها العالم الإسلامي لقرون طويلة ساهمت بشكل كبير في بناء الحداثة. أن يعترف الفقه (رغم ذكوريته) بالمرأة كشخصية قانونية لها حقوق التملك والمتعة الجنسية، أن يعترف التصوف للمرأة بالولاية والمشيخة، أن تطالب الفلسفة الرشدية بالمساواة في الحقوق المدنية بين المرأة والرجل، أن تحضر المرأة بشكل لافت في حقلي الآداب والفنون، أن يضع المسلمون أسس علمي الجبر والبصريات، أن يشكل الطب الإسلامي منطلقا للطب الحديث، كل ذلك يؤشر على عطاء الإسلام في بناء الحداثة. فلماذا ننكر حقنا في صنع الحداثة؟ إن الحداثة مولود كل التاريخ البشري، ولا يجـوز أبدا أن نخلط بين الحداثة والغرب وأن نجعل من الحداثة نتاجا وملكا للغرب وحده. صحيح أن الغرب هو المحرك الراهن للحداثة، لكن ذلك لا يعني أبدا أن الحداثة نتيجة لتطوره الذاتي الخاص ولتاريخه المستقل. لا وجود لتاريخ مستقل. إن التاريخ الإسلامي لبنة ومحطة أساسية في تاريخ بناء الحداثة. إن الحداثة تاريخ وليست هوية أو جوهرا ما فوق التاريخ. ولا ينبغي أيضا أن يقودنا الاستعمال الغربي السيئ للحداثة إلى النفور منها وإلى الشك في عالميتها كمشروع حضاري. فالحداثة تحقق أسمى القيم القرآنية وهي العدل والمساواة من خلال القضاء على العبودية وعدم التمييز في الحقوق بين المواطنين، بين المرأة والرجل كمواطنين. إن الحداثة علمنة للقيم الدينية الإيجابية وتنظيمها بشكل مؤسساتي مستقل عن إيمان الأفراد.

في السياق ذاته، تعتبر بأن عدم عدم اجتهاد رجل الدين في تدبير النصوص المرجعية، بما يراعي تطور أوضاع المجتمع الإسلامي عبر العصور يعرض الأمة لأخطار كارثية... كيف تتصور مثلا أن يبلغ سقف هذا الاجتهاد مثلا، في موضوع شائك كإراثة النساء؟

لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه، والإجابة عنه بسيطة يعرفها الكل. اللامساواة بين الأخ والأخت في الميراث ترجع إلى أن الأخت، والمرأة بصفة عامة، غير مكلفة بالنفقة، فنفقتها على زوجها. هذا شيء لا يزال مستمرا إلى اليوم في النص القانوني (مدونة الأسرة)، لكن الواقع يشهد أن المرأة تساهم في النفقة من خلال نشاطها المنزلي والتربوي أو من خلال دخلها من عمل خارج المنزل. من هنا تبرز ضرورة الاجتهاد ليس فقط في تأويل الآية، بل أيضا في تغيير قواعد الاجتهاد كما وضعها كل من الشافعي والبصري والجويني والغزالي. ويمكن حصر روح تلك القواعد في التفسير اللغوي للنصوص والقياس عليها. هل نحن مضطرون لمراعاة تلك القواعد كما وضعها هؤلاء الفقهاء انطلاقا من مناهج معينة وبالرجوع إلى نموذج أسري أبيسي لا يعترف بمردودية المرأة ولا يشركها مناصفة في الإنفاق الأسري؟ ماذا تعني جوهرة تلك القواعد؟ وماذا تعني إرادة جوهرتها اليوم؟ أليست لنا اليوم مناهج معرفية أكثر علمية؟ إن المشاركة النسوية الفعلية والعملية في الإنفاق الأسري تحتم علينا اليوم تقييم النص القرآني انطلاقا من أسباب نزوله، وأن نجعل العبرة لا في عمومية اللفظ وإنما في خصوصية السبب. فإذا زال سبب نزول النص، زالت ضرورة العمل به. إنها إحدى القواعد التي اقترحتها منذ سنة 2000 في إطار وضع شروط جديدة لاجتهاد (نسائي) جديد. وقد اقترحت خمس قواعد كبيرة هي: تسييد الرأي النسائي المساواتي بالنظر إلى عقلانيته (ورغم أقليته الإحصائية)، ما بين-تخصصية الفعل التشريعي، ظنية المعاملات، الاجتهاد الجدلي مع النص، التحرر المذهبي. أود هنا التركيز على اقتراحي الثالث: إن الآية المتعلقة بالتمييز في الإرث بين الأخ والأخت يجب أن نعتبرها منتمية إلى حقل المعاملات وأن نعتبر حقل المعاملات ظنيا بأكمله. فحقل المعاملات حقل المتغير الإسلامي بامتياز. إذا كانت العقائد والعبادات ثابتة وغير متأثرة بتغير الظروف التاريخية والاجتماعية، فإن المعاملات هي الحقل الذي يعبر من خلاله كل مجتمع إسلامي عن خصوصيته التاريخية وعن مصالحه المرسلة التي لا يمكن أن تجمد بفضل تفسير/تأويل واحد لنص قرآني. ويكفي من أجل اعتبار حقل المعاملات حقلا ظنيا ألا نتصرف في النص انطلاقا من "عمومية اللفظ" وإنما من "خصوصية السبب"، بمعنى أننا حين نواجه نصا تمييزيا، نُعْمِل مبدأ "خصوصية السبب" لتعليق العمل به وللقول أنه لم يعد مطابقا لا للواقع المعاصر ولا لمقاصد الشريعة. ويعني هذا الاقتراح التخلي عن القاعدة القائلة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". إن الربح الأساسي من أطروحة ظنية المعاملات ألا نحتفظ بالشريعة كآلية نُخضِع بفضلها المرأة لامتيازات الرجل وسلطته.

تقول بأن أسس كل من الذكورية والنسائية موجودة في القرآن والسنة، وأن هيمنة الذكورية في المجتمعات الاسلامية إنما مردها إلى اجتهادات ذكورية لأئمة المسلمين لا إلى النصوص المرجعية...

إن اعتبار الشريعة في ذاتها قولا محايدا يمكنها من أن تكون قابلة للدفاع عن اتجاهين يبدوان متناقضين إذا لم نعمل الحس التاريخي. فالانتقال من العدل/الإنصاف بمفهومه اللفظي التمييزي إلى المساواة بمفهومها المقاصدي ليس تناقضا داخليا في الشريعة وإنما تحيينا تاريخيا ملائما لها. تلك أطروحتي. ففي فترات معينة، يشكل التمييز وجها للعدل وتلك قراءة أبيسية للشريعة لها مشروعية انطلاقا من أبيسية المجتمع. في الوقت الراهن، يتوجب إحقاق عدم التمييز في الحقوق لأن القراءة الملائمة والمشروعة تصبح تلك التي تأخذ بعين الاعتبار الوضع الجديد للمرأة وللأسرة في المجتمع الإسلامي الحديث الذي يسير نحو المساواة. من هنا، يتبين لنا أن أسس التمييز موجودة في القرآن والسنة وأن أسس اللاتمييز موجودة في القرآن والسنة أيضا. وبالتالي يغدو موقف الشريعة من المرأة قضية إرادة وقضية قراءة. صحيح أن النزعة الذكورية هيمنت على تاريخ الفعل الفقهي وعلى لاشعوره. لكن إلى جانب هذه النزعة التمييزية التي بلورها تاريخ الفقه الإسلامي انطلاقا من مقاربة لفظية للقرآن، توجد في القرآن آيات تدعو إلى مساواة لا تمييزية، وهو ما يجب تسميته نسائية قرآنية. وانطلاقا من أساس قرآني مفاده أن العلاقة بين الزوجين علاقة مودة ورحمة ولباس متبادل، انتهى التصوف إلى أن التوحد مع/وفي الذات الإلهية من خلال المعراج الصوفي يرمز إلى دعوة لتجاوز الفروق الجنسية في مسيرة الحب والمعرفة، في مسيرة الحقيقة. لكن الفقه بشكل عام لم يأخذ بعين الاعتبار قيم المودة والرحمة في تشريعه للعلاقات الزوجية، وإنما تركها مجرد قيم أخلاقية وإنسانية لا تحظى بامتياز الإلزام الشرعي.

لماذا لم يحرر خروج المرأة بكثافة إلى العمل وإعالتها لأسرتيها الكبيرة والصغيرة من النظرة المحافظة إليها؟

في مغرب اليوم، النموذج الأسري الغالب إحصائيا، والمهمش فقهيا في صياغة قانون الأسرة، هو نموذج الأسرة النووية. داخل هذا النموذج، نجد نساء جديدات مالكات لقوة عمل فكرية أو يدوية في سوق عمل أصبحت عاجزة عن الاستغناء عنهن... أوضاع وأدوار نسوية جديدة، فاعلة في الاقتصاد المنزلي وفي الاقتصاد الوطني العام. داخل هذا النموذج، تساهم الزوجة عمليا في النفقة بشكل اضطراري أوضح نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة، بل تقوم لوحدها بإعالة الأسرة في حالات كثيرة وفي تكاثر. رغم المشاركة الاقتصادية للمرأة، تستمر النظرة الذكورية الدونية للمرأة بالنظر إلى تجدر الصورة السلبية التي كرسها الفقهاء باسم بعض الآيات والأحاديث في اللاشعور الجمعي. ثم إن عمل المرأة خارج البيت يعتبر شرا لا بد منه وليس حقا من حقوق المرأة أو وضعا سليما وأسلم من حيث ضرورة التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية. على العكس من ذلك، لا يزال الكثير من المغاربة يرون في عمل المرأة خارج البيت أمرا شاذا من جهة (لأنه مخالف "لطبيعتها الأنثوية" التي لا تسمح لها بمنافسة الرجل في سوق الشغل)، ولا يعني البتة عاملا لتحررها أو لاقتسامها صنع القرار داخل البيت وخارجه. إن المشاركة النسوية في الإنفاق الأسري عامل ضروري في تغيير النظرة إلى المرأة وفي صيرورة تحررها، لكنه عامل غير كاف لأنه يحتاج إلى وعي جديد، ذلك الوعي الذي لا ينبثق بشكل آلي من العمل المأجور خارج البيت. فالوعي ليس مرآة ميكانيكية للاقتصاد. الأخطر من ذلك أن بعض النساء، بالنظر إلى عملهن المضني خارج البيت وصعوبة التوفيق بين العمل خارج البيت والواجبات المنزلية (وهو تحد يطرح على المرأة وحدها)، يعتقدن أن مكانهن الطبيعي هو البيت وأن نشاطهن الاجتماعي ينبغي أن يظل استمرار لنشاطهن البيولوجي (إرضاء الزوج جنسيا، خدمته في البيت، حمل، إنجاب، تربية أطفال).

منذ 2007، بنيتم نطرية "الانتقال الجنسي"، ما مفادها؟

تقوم نظرية الانتقال الجنسي على التقابل بين المعايير الجنسية من جهة والسلوكات الجنسية من جهة أخرى. داخلها، أميز بين مراحل ثلاث. في المرحلة الأولي، هناك استمرارية بين دينية المعايير الجنسية ودينية السلوكات الجنسية. هناك تطابق بين الاثنين، بمعنى أن السلوكات الجنسية في معظمها سلوكات شرعية تقع في إطار الزواج. في المرحلة الثانية، نجد قطيعة بين المعايير الجنسية والسلوكات الجنسية: تستمر دينية المعايير الجنسية (بلأساس تحريم الجنس خارج الزواج) مع ظهور سلوكات جنسية محرمة فيقع ما سميته الانفجار الجنسي، أي تكاثر السلوكات الجنسية قبل الزواج وخارجه. هنا يحصل تعلمن سلوكي للجنس دون تعلمنه المعياري. نحن اليوم في المغرب في خضم هذه المرحلة الثانية الانتقالية ولم نبلغ بعد المرحلة الثالثة. تتميز هذه الأخيرة بتطابق بين السلوك جنسي والمعيار الجنسي على أساس آخر، علماني، بمعنى أن المعايير الجنسية العمومية والسلوكات الجنسية تستقل كلها عن الدين، ولا يبقي الدين هو منظم الجنس، معيارا وممارسة (بالنسبة للدولة طبعا). في هذه المرحلة التي بلغتها مجتمعات أوربا مثلا، المعيار هو أن الجنس حق إنساني شرعي قبل الزواج شرطه الوحيد التراضي بين الطرفين. في إطار هذه المرحلة، للمواطن الحق في تنظيم حياته الجنسية حسب معاييره الدينية، لكن ليس له الحق في فرض معاييره الدينية على الآخرين من خلال نضال ديني-سياسي قصد تحويلها إلى قوانين عمومية. أود أن أشير إلى أنني وضعت نظرية الانتقال الجنسي لاجتناب بعض المصطلحات التي تصف المرحلة الثانية التي نحن فيها على أنها سكيزوفرينا (وهذا مرض عقلي فردي وليس تعبيرا علميا عن حالة اجتماعية)، أو كنفاق (وهذا حكم أخلاقي). أردت أيضا اجتناب المصطلحات الإسلاموية التي ترى في الانفجار الجنسي الراهن عودة إلى الجاهلية (عند الإسلامويين المتطرفين) أو فتنة (عند عبد السلام ياسين مثلا) أو انحرافا (عند المندمجين من الإسلامويين في اللعب السياسي). وأنشأت أيضا مفهوم الانفجار الجنسي وأقصد به تفجير الزواج كإطار أوحد للجنس، ورأيت أن الانفجار الجنسي بهذا المعنى يشكل البعد الواصف بامتياز للمرحلة الثانية المؤسسة كمكون لنظرية الانتقال الجنسي. أنشات مفهوم الانفجار الجنسي وأنشات نظرية الانتفال الجنسي كأدوات سوسولوجية وصفية وتفسيرية في الوقت ذاته، غير متحيزة، تقول بأن الجنسانية المغربية في حالة تحول وتغير.

Partager cet article

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article

commentaires