Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
28 février 2016 7 28 /02 /février /2016 20:09

مجلة نساء من المغرب - مارس 2009

د. عبد الصمد الديالمي، عالم اجتماع: المرأة هي المؤشر الذي أختبر به حداثتي. لماذا لا تطالب الحركات النسائية بعلمنة قانون الأسرة؟

يقدمه الكثيرون على أنه أركيولوجي الحدائق السرية بالمغرب، لاشتغاله على المناطق المعتمة واتخاذه للمرأة والجنس والدين قضايا أساسية لأبحاثه السوسيولوجية، لكنه يفضل أن يقدم نفسه كمثقف علماني مؤمن بقضية المرأة وكباحث مثالي متشبع بأفكار ومبادئ أساسية مختلفة عما هو سائد، قد يرى فيها الكثيرون نوعا من الساذجة أو الطوباوية لأنه يدعو مثلا إلى علمنة قانون الأسرة بالمغرب ويدافع عن المساواة المطلقة بين الجنسين.
هكذا يقدم عالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي نفسه في هذا الحوار، الذي يكشف فيه عن مؤاخذاته ونقده لطرق اشتغال الحركات النسائية بالمغرب، التي سطر البعض منها في كتابه "النسوانية بالمغرب" الصادر أخيرا باللغة الفرنسية عن "دار توبقال للنشر"، ويعبر فيه عن رغبته في زوال عيد المرأة.



* نساء من المغرب: يحتفل العالم يوم 8 مارس بعيد المرأة، فما تقييمك لوضع المرأة بشكل عام ولوضع المرأة المغربية بشكل خاص؟
**عبد الصمد الديالمي: ما دمنا نحتفل كل سنة بعيد المرأة يوم 8 مارس، فهذا مؤشر على أن الوضع ليس حسنا وأن هناك مشكلا ، وبالتالي فأنا أتمنى أن يزول هذا العيد، لأن زواله يعني أن القضية قد حلت وسويت بشكل نهائي. وما دام هناك يوم خاص بالمرأة فمعنى ذلك أن مشكل المرأة لازال قائما، طبعا ليس فقط على صعيد العالم العربي أو المغرب، إنه مشكل دولي. ومنذ ثماني سنوات تصورت بناء سلم لقياس درجة النسائية في كل مجتمع وفي كل دولة، لأنه ليست هناك دولة في العالم حققت المساواة الكاملة بين المرأة والرجل. ولهذا فالسلم المعرفي ضروري لقياس درجة المساواة بين المرأة والرجل في كل مجتمع وبالتالي لن نجد في الوقت الراهن مجتمعا قد حقق المساواة المطلقة بين الجنسين، طبعا هناك إنجازات متفاوتة في المجتمعات، وطبعا في المغرب لابد من الإشادة بالحركة النسائية، لأنها حققت الشيء الكثير، مثل نضالها من أجل إصلاح مدونة الأسرة، وهو إنجاز كبير. لكن هل كان ذلك هو الحد الأقصى الذي كان يمكن تحقيقه؟. هذا سؤال كبير، والمأخذ الأساسي الذي لدي على موقف الحركات النسائية التقدمية بالأساس، هو أن إصلاح المدونة تم انطلاقا من مرجعية إسلامية. فلماذا تسجن الحركات النسائية مطلبها بالمرجعية الإسلامية؟ لماذا لا تطالب بعلمنة قانون الأسرة، خصوصا وأن هناك العديد من الأحكام تنص عليها الشريعة الإسلامية ولكنها لا تطبق بالمغرب مثل قطع يد السارق أو جلد الزاني؟ حينما نعلق تطبيق هذه الحدود، لا يعني ذلك أننا نخرج من الإسلام ونتنكر له. فلماذا لا نتبنى نفس الموقف تجاه المرأة والأسرة؟
* بالنظر للمخاض الذي عرفه مشروع المدونة وقبله الخطة الوطنية لإدماج المرأة، فإنه لم يكن هناك من خيار للحركات النسائية سوى الرجوع إلى الدين الإسلامي؟
** هذا صحيح، لأن الحركات النسائية وقعت في فخ التعريف الإسلامي للعلمنة. فالحركات الأصولية والإسلاموية تعرف العلمنة كإلحاد وكخروج عن الدين وكرفض له، وهذا التعريف خاطئ. فحينما لا نطبق حد قطع يد السارق أو حين نعطي الأخت نفس النصيب في الإرث، فهذا لا يعني أنني ألحدنا. إن علمنة قانون الأسرة لا تعني أبدا إلحادا أو ردة أو مراجعة للدستور. بالإمكان الاحتفاظ بالدستور كما هو، أي بالإسلام كدين دولة و بإمارة المؤمنين، وفي نفس الوقت القيام بمراجعة جذرية لقانون الأسرة، ووضع قانون جديد لا يستمد من الإسلام ولا من أي دين آخر. بالنسبة لي لا فرق بين موقف الجمعيات النسائية التقدمية والجمعيات الأصولية، الفرق فقط في الدرجة، فكلاهما يوظفان الإسلام، كل من زاويته.
* لكن الجمعيات النسائية كلها تعتبر مدونة الأسرة قفزة نوعية تلاها تحديد 10 أكتوبر كيوم وطني للمرأة بالمغرب؟
** هذا وهم، شخصيا لا أرى أين هي القفزة النوعية... طبعا هناك بعض المكتسبات المهمة كإزالة طاعة الزوجة للزوج والتخلي عن مفهوم النكاح القدحي، لكن المدونة لا تتعارض مع المنظور الإسلامي في عمقه. فحينما نصل إلى مسائل أهم مثل: تعدد الزوجات وزواج القاصر والإرث، نجد الاستمرارية. وفي تطبيق المدونة الجديدة، نرى أن الحقوق الاستثنائية لم تبق استثنائية وأصبحت حالات متكاثرة.
*على الرغم من تطبيق المدونة منذ أربع سنوات، فإن نسبة الطلاق قد ارتفعت، كما غلب أسلوب التحايل على القضاء في هذا الاتجاه، مما اعتبره البعض مظاهر سلبية؟
** لا أعتقد أن الطلاق ظاهرة سلبية في ذاته، أو أن ارتفاعه يرجع إلى مدونة الأسرة. طبعا يمكن القول أن المدونة الجديدة أعطت فرصا قانونية أكبر للمرأة لفسخ عقد الزواج. في مدونة الأحوال الشخصية، كانت هناك خمس حالات فقط يمكن للزوجة أن تطلب فيها التطليق: الضرر، عدم الإنفاق، الغياب، العيب والهجر. الآن، يمكن للمرأة أن تطلب الطلاق للشقاق، أي لمجرد عدم التفاهم مع الزوج. هذا تقدم بالفعل، لكن ليس هذا هو سبب فسخ الزواج وارتفاع نسبة الطلاق. المدونة الجديدة تعطي فقط للمرأة فرصا أكبر للتعبير عن سخطها. فيما قبل كان لها "خياران" فقط، إما الطلاق بالخلع أو التطليق لأحد الأسباب الخمسة السابقة ذكرها. المدونة الحالية ما هي إلا أداة تسمح لطلاق فعلي أن يحقق نفسه في صيغة قانونية وبسرعة أكبر. لا يمكن أبدا تحميل مسؤولية ارتفاع نسبة الطلاق إلى نص قانوني.
* في كتابك الأخير "النسائية في المغرب" وجهت الكثير من الانتقادات للنسائية بالمغرب، ألا تعتقد أنك قد حملت تلك الحركات أكثر مما تحتمل؟
** هذا وارد، لكن نقدي لها بالتشبث بالمرجعية الإسلامية يظل قائما، لأنه كان من الممكن أن تعبر على الأقل عن ضرورة علمنة قانون الأسرة ولو ليس لذلك المطلب من مصير سياسي. كل القوانين معلمنة في المغرب إلا قانون الأسرة والقانون المتعلق بالعلاقات الجنسية. كل القوانين الأخرى وضعية، موضوعة، فلماذا استثناء قانون الأسرة؟ هل يكمن إسلامنا في تحقير المرأة فقط؟ أم نستعمل الإسلام فقط من أجل الحفاظ على امتيازات الرجل وسلطه الأبيسية؟ وحتى نكون صرحاء إلى أقصى حد، لا بد من القطع مع كل الديانات، كمصادر تشريع، لكي نعترف بالمرأة كمواطنة لها نفس الحقوق ونفس الواجبات، لكي ننتج المرأة كمواطنة. كل الديانات بدون استثناء تجعل من المرأة "مواطنة" من الدرجة الثانية، لها حقوق أقل. وبالتالي كي نقضي على كل أشكال التمييز بين الرجل والمرأة، لابد من قانون وضعي حداثي ديمقراطي وعقلاني. أما ما نقوم به اليوم فهو مجرد إصلاح ترقيعي. موقفي هذا أتشبث به كمثقف علماني يؤمن بمساواة حقيقية بين الرجل والمرأة بصفتهما مواطنين. أما النقد المتعلق بكون النسائية المغربية لا تنتج نظريات أو معرفة نظرية، فهي مهمة الباحث الجامعي الأكاديمي الذي يجب أن يحقق الاستقلالية عن الحركات النسائية كحركات اجتماعية. من حق هذه الأخيرة أن تعبر عن سخط النساء، فالمنتظر منها هو تحسين الشرط النسوي من خلال تعليم المرأة وتأمين صحتها وإدماجها في سوق الشغل وإشراكها في صناعة القرار. الخطير هو أن البحث الأكاديمي النسائي الذي من المفروض أن يكون مستقلا عن العمل الجمعوي وعن إشكالات الجمعيات، يتحول بدوره إلى نشاط تابع لها. فالباحث الجامعي لا يفصل بين هويته الجامعية وهويته الجمعوية، بل ينسى خصوصيته الجامعية ويتبنى الأسئلة العملية التي تهيمن على الفعل الجمعوي. من جانب آخر، لا بد من الإشارة إلى أن الجمعيات النسائية (féministes) جمعيات نسوية (féminines)، بمعنى أنها مقفلة في وجه الرجال النسائيين، المؤمنين بقضية المرأة. هذا مع العلم أن مقاربة النوع الاجتماعي (approche genre) التي تتبناها الجمعيات النسائية اليوم تنص على ضرورة مساءلة الهوية الرجالية وعلى ضرورة إشراك الرجل في النضال النسائي.
* هل تعتقد أن ما يعتمل في المغرب من صراعات بين التيارات الإسلامية وغيرها، سيسمح بتحقيق القانون الوضعي للأسرة الذي تدعو له؟
** علمنة قانون الأسرة يجب أن يطرح على مستوى المطالب أولا. لا بد من التمييز بين وجود جمعيات وبين وجود مجتمع مدني. المجتمع المدني هو نقيض المجتمع الديني، إنه المجتمع الذي يفسح المجال لكل التيارات للتعبير عن نفسها، بما فيها تلك التي تنادي بفصل الدين عن الدولة، والتي تطالب بوضع قانون وضعي للأسرة، وتدافع عن الإلحاد مثلا كحق من حقوق الإنسان مثله في ذلك مثل الحق في الإيمان. كل الاتجاهات التي تسعى إلى جعل الدين مسألة شخصية وخاصة اتجاهات مقموعة في المغرب، رغم وجودها. إن وجود جمعيات لا يعني أبدا وجود مجتمع مدني. إن الجمعيات النسائية وجمعيات حقوق الإنسان هي المؤهلة أكثر من غيرها لخلق مجتمع مدني حقيقي شريطة أن تطالب بعدم استغلال الدين في السياسة وبعدم استصدار القوانين من الدين وبعدم جعل التعليم العمومي في خدمة دين معين. بالنظر إلى مواضيع هذه الجمعيات، فهي المؤهلة أكثر للمطالبة بقانون وضعي للأسرة وبحرية العقيدة. لو فكرت بعض الجمعيات بمنطق مدني غير سياسي، لو لم تنطلق من انتماءاتها السياسية المعلنة أو المضمرة، لكان من بينها من يطالب بالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل بفضل قانون وضعي، مباشرة، دون المرور من التأويل. المهم أولا هو أن يطرح مطلب علمنة قانون الأسرة في الساحة، وأن تقوم الجمعيات المدافعة عنه بتبيان عدم تناقضه مع العقيدة والإيمان. أما مصير ذلك المطلب، السياسي، فقضية إستراتيجية.
* من بين المفارقات الكبيرة التي وقفت عليها في كتابك، نخبوية الحركات النسائية بالمغرب واستشراء العمل الجنسي، فماذا كان يمكن لتلك الجمعيات أن تقوم به للحد من العمل الجنسي بالمغرب؟
** واضح أن الجمعيات النسائية نسوية وتتشكل من نساء ينتمين إلى نخبة مثقفة. أما القواعد، فلا حضور لها في الهيئات التسييرية. القواعد ما هي إلا أهداف برامج في أحسن الحالات. لا وجود لمقاربة تشاركية.
بخصوص الجنس المسلع، القانون المغربي واضح، فهو يجرمه، ويجرم العاملة الجنسية ويجرم الزبون. هذا لا يكفي من أجل القضاء على الجنس المسلع. لا بد من التوعية، لا بد من تربية تبين للعاملة الجنسية أن العمل الجنسي استلاب وفقدان لإنسانيتها ولكرامتها. ماذا فعلت الجمعيات النسائية في سبيل هذه التربية؟ أعتقد أنها لم تقم بأي شيء في هذا الاتجاه. طبعا هناك بعض الجمعيات التي تتوفر على مشاريع لمحاربة الأمية أو لتمكين المرأة من نشاط مذر للربح... هذا نضال غير مباشر ضد الجنس المسلع وضد أحد مسبباته الموضوعية. لكن المشكل أعمق من ذلك، فهناك نساء لهن عمل ولهن دخل قار، وهناك طالبات جامعيات لهن منح ومستوى عال من التعليم، ومع ذلك فهن يتعاطين الجنس المسلع. لا التعليم ولا العمل وحدهما يحدان من الجنس المسلع في المغرب... هناك اعتبارات أخرى متعددة ومعقدة تدفع المرأة لاختيار هذا الطريق... استلاب العاملة الجنسية لا يصارعه أحد، لا تصارعه المؤسسات ولا تحاربه الجمعيات. هل سمعنا من أحد في المغرب خطابا موجها للعاملة الجنسية يبين لها أن العمل الجنسي يحولها إلى شيء، إلى وبضاعة؟ هل تم الاعتراف أولا بهذا الصنف من العاملات حتى يتم توجيه الخطاب التربوي إليهن؟. حسب معلوماتي المتواضعة، لم تتطرق أي جمعية نسائية لهذه القضية. هناك فقط جمعيات تهتم بالعاملة الجنسية كناقلة لجراثيم ولفيروسات، جمعيات توصي العاملة الجنسية باستعمال الغشاء الواقي أثناء عملها. لا وجود لجمعية واحدة فكرت في تحقيق وعي نسائي لدى العاملة الجنسية حتى تتوقف عن نشاطها. هل معنى ذلك أن الجمعيات النسائية ترى في العمل الجنسي حقا مشروعا؟ وأنه من حق المرأة أن تفعل بجسدها ما تشاء، باسم النسائية بالضبط؟ أم هل تنظر الحركات النسائية إلى الجنس المسلع كبغاء يجب محاربته؟ أم كعمل جنسي يتوجب حمايته وتقنينه؟ موقف الحركات النسائية غير واضح من الجنس المسلع. إن قضية الجنس المسلع حقل محوري لقياس نسائية الحركات النسائية نفسها، والوقوف على طبيعة ودرجة نسائيتها. بودي تنظيم ندوة حول هذا الموضوع من أجل تشخيص موقف النسائية المغربية من الجنسانية المسلعة، والخروج ببرنامج عمل... من جانب آخر، هل يحق لتلك الحركات أن تصمت أمام تجريم العلاقة الجنسية غير المسلعة بين العزاب؟ ماذا تفعل من أجل إنتاج مفهوم مدني نبيل للجنس؟ الحق في المتعة أو الحق في الحب أشياء أصبحت تضحك شابات اليوم. فالجنس أضحى يمارس أيضا مقابل خدمات أو امتيازات... إنها أزمة أخلاق مدنية بتنا نعيشها اليوم، وعمل الجمعيات النسائية في هذا الميدان منعدم.
* أغلب الدراسات التي تناولت موضوع الحركات النسائية على قلتها مكتوبة باللغة الفرنسية، فهل اللغة العربية برأيك عاجزة عن رصد المجال النسائي؟
** لا أبدا ليس المشكل في اللغة العربية، بل في التكوين بهذه اللغة الذي يحيل على أخلاق ومعتقدات معينة تتناقض بشكل عام مع مبدأ المساواة بين الجنسين، وراء اللغة العربية وفوقها دين لا يعترف بالمساواة بين الجنسين ويقول فقط بالعدل بينهما... وبالتالي فالإنسان الذي لديه تكوين باللغة الفرنسية أو الانجليزية أقرب إلى الموقف النسائي وإلى تفهمه وتبنيه. وراء هذه اللغات مجتمعات وثقافات حديثة، عقلانية، ديمقراطية... وبالتالي، الإنسان الذي لديه ثقافة حديثة من خلال لغات غربية مؤهل أكثر من غيره لكي يتشبع بالقيم النسائية ويدافع عنها.
* وماذا عنك الأستاذ الديالمي، فلماذا تحولت إلى الكتابة باللغة الفرنسية بعدما كنت من أشد المدافعين عن الكتابة باللغة العربية؟
** هذا بالفعل كان وهما قوميا لدي، كنت طالبا في شعبة الفلسفة بالفرنسية وكنت متمكنا من اللغتين دون إشكال كباقي زملائي. في بداياتي كنت قوميا، دافعت عن العربية وكتبت بها، لكن الاعتبار الذي جعلني أتحول إلى الكتابة باللغات الأجنبية، هو أن اللغة أيضا سوق، سوق رمزية بالأساس. في الأمر جانب من الأنانية، كمؤلف أضمن حضوري ليس في المغرب فحسب بل خارجه إذا كتبت بالفرنسية أو بالانجليزية، كما أضمن مصالحي كباحث بشكل أكبر. هذا هو سبب هذا الانتقال، أما اللغة العربية في ذاتها فليست عاجزة عن التعبير النسائي شريطة أن يكون مستعملها نسائيا بالفعل. السؤال هو هل المثقف مقتنع ومستوعب فعلا للأدبيات النسائية حتى يبلغها بالعربية؟. انتقالي إلى الكتابة باللغة الفرنسية كان لضمان مكانتي خارج المغرب.
*يقدمك الكثيرون على أنك أركيولوجي الحدائق السرية بالمغرب، فكيف تقدم نفسك للقراء؟.
** (يضحك) الأمر صعب. أنا أقدم نفسي للقراء كباحث مثالي مؤمن بأفكار ومبادئ أساسية، وهنا يمكن أن أتحدث عن نوع من السذاجة. إلى حد ما أنا ساذج لأنني أومن بأفكار معينة مثل ضرورة علمنة القانون والدفاع عن المساواة بين الجنسين بشكل مطلق. هكذا أقدم نفسي... مثلا، يتحدث الكل عن الشذوذ الجنسي... شخصيا أرفض هذا المصطلح، لأن المثلية الجنسية اتجاه آخر، له شرعيته رغم أقليته الإحصائية، خصوصا إذا فصلنا الجنس عن غائية الإنجاب. وهذه قضية أخرى تصمت عنها الحركات النسائية المغربية... لدي قناعات منصوص عليها بشكل مباشر أو غير مباشر في ميثاق حقوق الإنسان، أدافع عنها ضد الكل، دون تحفظات، ولو أدى بي ذلك لأظل وحيدا في الساحة. أنا مثقف أولا، أي مؤمن بقضية، وعلي أن أظل مثقفا قبل كل شيء...
*ألم تخلق لك القضايا المعتمة التي اشتغلت عليها، والتي تعد من الطابوهات من مثل: المرأة، الجنس والدين، مشاكل معينة، خصوصا وأنه قد أهدر دمك فيما قبل في إحدى الدول العربية؟
** طبعا موقفي ليس مريحا، لأنني لست فقط عالم اجتماع، أستاذ جامعي وباحث، لست فقط تقنوقراطيا أو خبيرا كما ينظر إلي البعض. إن المواضيع التي أدرسها مواضيع حساسة تصطدم داخلها الحداثة مع بعض مقتضيات الدين. هذا ما جعلني بشكل تدريجي لا أكتفي بإنجاز دراسات سوسيولوجية، بل أستخرج منها توصيات "سياسية" بالمعنى الواسع، وهي التوصيات التي تستجيب لحركية المجتمع وتطوره. وفي التوصيات مواقف، ودفاع عن حقوق وقضايا عادلة، وهذا هو شأن كل مثقف لأن المثقف ملتزم بالضرورة. لقد تعرضت للتهديد بالقتل في اليمن سنة 1999، وتعرضت للقتل مرات كثيرة هنا في المغرب، وتعرضت لمحاولات رقابة، داخل الجامعة وخارج الجامعة. من أبرز تلك المحاولات سؤال شفوي وجهه مصطفى الرميد، سنة 2000، إلى وزير التربية يطالب فيه بمنعي من إنجاز بحثي الميداني حول "الهوية الرجالية والصحة الجنسية في المغرب". طبعا، لم يستجب السيد الوزير لذلك الطلب المناهض للبحث العلمي، وأنجزت بحثي رغم التهديدات بالقتل في خنيفرة ووجدة. تعرضت للكثير من التهديد والرقابة إلى درجة أني اضطررت سنة 2003 إلى مغادرة المغرب والعمل كأستاذ زائر في جامعة فرنسية. ناضلت كثيرا من أجل الخطة وكتبت كثيرا لصالحها، وذهبت أبعد من الجمعيات... أنا مزعج بنظر الكثيرين، لذلك الاعتبار بالضبط، ونظرا لجدية دراساتي واستمراريتي في نفس الموضوع مند خمس وثلاثين سنة، يعبر لي الكثير من الناس عن تقديرهم وإعجابهم...
* كيف يتعامل الباحث السوسيولوجي مع أبنائه، وبالخصوص بناته، ألا يخرج الرجل التقليدي من جبة الحداثي في بعض المواقف؟
** أبدا، لدي أربعة أطفال، ولدان وبنتان، لا زالوا كلهم في طور الدراسة والتكوين... لعب الدين دورا كبيرا في تربيتي وفي تربية جيلي حيث كان الوالدان يلجآن إلى الدين من أجل ترويض الأطفال، باسم السخط والرضا. شخصيا، كأب، لا أوظف الدين كأداة للضغط والسيطرة على الأبناء... بالنسبة لي، الدين قناعة شخصية واختيار حر إذا أردناه صادقا. تربيتي لأبنائي تربية مدنية، تربية تسعى لصنع المواطن... ربما يساعدني في ذلك أن كل أبنائي تابعوا أو يتابعون دراساتهم في البعثة الفرنسية... كل شيء إذن موضوع حوار، لا وجود لقمع أو لطابوهات. أترك كامل الحرية لأبنائي في اختياراتهم وفي سلوكا تهم. طبعا هناك قيم وأخلاق لابد من الحفاظ عليها، ولكن هذه القيم ليست أبيسية- ذكورية على وجه الإطلاق...
* وماذا تمثل المرأة بالنسبة لك؟
** ماذا أقول، إذا قمت بتمجيدها وقلت أنها هي الأم والزوجة والبنت، وقلت أنها كل شيء، سأقع حتما في المنطق الأبيسي. كباحث، المرأة من مواضيع بحثي، وهو موضوع غير منفصل عن الرجل كموضوع بحث أيضا. كمثقف، المرأة هي قضيتي الأولى، إنني مخلص للمرأة كقضية مستمرة، وأرفض أن تكون قضية المرأة قضية المرأة لوحدها. كرجل، المرأة هي المؤشر الذي أختبر به حداثتي بالأساس، فكلما اعتبرت المرأة شريكة مساوية، كلما أحسست أني أحقق درجة أعلى في سلم الحداثة...


حاورته: سعيدة شريف

Partager cet article

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article

commentaires