Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
9 juillet 2009 4 09 /07 /juillet /2009 18:16

عبد الصمد الديالمي ""للشروق" (عدد 65، 6-17 يوليوز 2009)"

مطلوب مناظرة وطنية لتشخيص سياسة جنسية عمومية ملائمة للمغرب!

التقته: سناء العلوي

 

+ يتعامل بعض الفاعلين مع الدعارة عل أساس أنها موازية لتقديم خدمات جنسية بمقابل مادي، بينما يسمي آخرون هذه الممارسة بالبغاء أو العمل الجنسي. من ناحية سوسيولوجية كيف نسمي العملية الجنسية مدفوعة الأجر؟

++ يمكن أن نسميها "الجنس المؤدى عنه"، أو "الجنس المسلع"... لكن هذه التسميات لم ترق إلى مستوى المفهوم لأنها تعكس نظرة تبادلية سوقية للجنس... كيف ذلك؟ أمام التسمية السائدة، "البغاء"، (prostitution)، توجد ثلاثة مواقف تحليلية في نظري، أو ثلاثة قراءات أو تأويلات. يستعمل الموقف الأول، التقليدي والسائد في المغرب، مصطلح البغاء ليرى فيه دعارة وعهرا، ومن ثم يحمل المرأة كامل المسؤولية في وجود الظاهرة وفي انتشارها، فيتهمها بالفساد والرذيلة والشذوذ انطلاقا من الأخلاق الأبيسية في شكليها الديني وغير الديني. ويتم نعت تلك المرأة بأوصاف تحقيرية واصمة ومهمشة، وهي الأوصاف التي لا تنسحب على الرجل الذي يضاجع البغي، وإن تمت متابعته قانونيا. هنا يتم التركيز على العرض فقط، على عرض البغي لجسدها على كل الرجال. أما الموقف الثاني، فموقف ليبرالي مفاده أن البغاء عمل جنسي حر... فالمرأة تعرض خدمات جنسية حرة على زبون حر، وبالتالي فهي عاملة جنسية حرة في سوق جنسية حرة. هنا يتم الاعتراف صراحة أن هناك طلب من طرف الرجال. هذا الموقف الليبرالي لا يدين العاملة الجنسية بصفتها عاملة جنسية، ولا يدين الزبون الحر في شراء خدمات جنسية حرة، بل يطالب بتحرير السوق الجنسية ويعتبر الخدمات الجنسية منتوجات مثل غيرها. ينتهي هذا الموقف إلى المطالبة بعدم تجريم الظاهرة وبتقنينها وتنظيمها. ثم هناك الموقف الثالث الذي يرى في البغاء عنفا جنسيا مسلطا ضد المرأة، بل يرى فيها أقسى درجات العنف وأقصى درجات استغلال المرأة. هذا الموقف يجعل من المرأة ضحية مجتمع وضحية نظام أبيسي في تمظهراته الدينية وغير الدينية، ما قبل الرأسمالية والرأسمالية. وبالتالي فالمدان هنا هو المجتمع الأبيسي في كل أشكاله، وخصوصا في تمظره الرأسمالي الذي لا يتردد في تسليع وتسويق الجنس صراحة، خلافا للأنظمة السابقة عليه التي كانت تفعل ذلك بشكل أقل وبشكل أكثر تستر. في إطار الموقف الثالث، تعتبر المرأة المزاولة لهذا النشاط الاقتصادي ضحية بريئة، ضحية ظروف اقتصادية قاهرة تحولها إلى موضوع متاجرة : إن "عروضها" الجنسية ما هي إلا استجابة مكرهة لطلب بنياني رجالي يميز كل المجتمعات الأبيسية.

إذن مهمتي كعالم اجتماع هي تشخيص هذه المواقف الثلاثة، ولا تكمن مهمة علم الاجتماع في إنتاج تسمية سوسيولوجية محايدة لهذه الظاهرة. إن الفعل السوسيولوجي هنا يشخص المصطلحات المستعملة لتسمية هذه الظاهرة وتقييمها من طرف المجتمع، لكن علم الاجتماع نفسه لا ينتج تسمية خاصة وإنما يحلل ويفكك المضامين الإيديولوجية لكل مصطلح متداول في المجتمع.

+ يتفق الجميع تقريبا في المغرب، ومجموعة من الدول على أن الدعارة هي سلوك سلبي وظاهرة سلبية، هل وجود مثل هذه الظواهر يعتبر ضرورة لخلق نوع من التكامل أو التوازن في بنية المجتمع، رغم وجود من ينادون بضرورة محاربته؟

++ الجواب عن هذا السؤال يرتبط بالمواقف الثلاثة السابقة الذكر، فالموقف الأول الذي يرى في هذا النشاط دعارة وعهر وبغاء يندد به ويدينه ويحاول منعه وتجريمه. بالنسبة لهذا الموقف، لا يحقق البغاء أي توازن في المجتمع بل هو رذيلة وخطيئة وفساد... أما الموقف الليبرالي الذي يتحدث عن العمل الجنسي والخدمات الجنسي والسوق الجنسية، فيعترف صراحة بوظائفه، الاقتصادية مثل تمكين المرأة من دخل ومثل إشباع الرجل لرغبته في التعدد وفي التنويع... الموقف الليبرالي هو الذي يقر صراحة أن العمل الجنسي يحقق وظائف فردية/نفسية واقتصادية، ووظائف اقتصادية وسياسية للنظام وللمجتمع. أما الموقف الثالث الذي يتحدث عن العنف والاستغلال الجنسي والاتجار في النساء، ويعتبر البغاء ظاهرة سلبية لا بد من محاربتها والقضاء عليها من أجل تحرير المرأة، وتحرير الإنسان.

+ وماذا عن وجهة نظرك ؟

++شخصيا، أتبنى الموقف الثالث، وأعتبر النشاط الجنسي/الاقتصادي، وربما هذا مفهوم سوسيولوجي لظاهرة البغاء أقترحه هنا، قلت أعتبر النشاط الجنسي/الاقتصادي الممارس من طرف المرأة أو من طرف الرجل خيانة للجنسانية كنشاط نبيل وكريم، كنشاط إنساني بالأساس. كلما أخضعنا الجنس إلى المال كلما سجناه وكلما قاومنا تحريره. إن النشاط الجنسي/الاقتصادي عنف واستغلال ضد المرأة والرجل معا، وينبغي أن نجرم هذا العمل وأن نسعى إلى القضاء عليه.

+ نلاحظ اليوم في المغرب أن موضوع الجنس وتعامل المغاربة مع جسدهم وخصوصا الإناث، أصبح جريئا وأكثر تحررا، ولم يعد هناك خجل من العري، وأصبحت الميول الجنسية مصرح بها أكثر مما مضى، هل يعود هذا الأمر إلى انهيار في القيم الأخلاقية أم أنه مرتبط بتأثير الآخر(الغرب) وركوب موجة الحداثة؟

++ أتكلم شخصيا عن شيئين، عن انفجار جنسي، وهذا مفهوم استعملته لوصف كل المظاهر الجنسية التي نراها في المجتمع المغربي، لوصف تضخم النشاط الجنسي، في شكليه الاقتصادي وغير الاقتصادي. فالكثير من الشباب المغربي له علاقات جنسية خارج الزواج باسم الرغبة أو الحب أو المتعة أو تأكيد الذات... هذا الانفجار الجنسي الذي نشاهده يعبر في نظري عن انتقال جنسي بمعنى أننا في مرحلة انتقالية، ننتقل من نظام جنسي تقليدي كان يحاول أن يجعل من الواقع الجنسي مرآة للتعاليم الإسلامية إلى نظام جنسي حداثي له مرجعية أوسع من المرجعية الإسلامية، وهي مرجعية حقوق الإنسان. نظرا لعدة عوامل، مثل انتشار وتمدد فترة التعليم ودخول المرأة سوق العمل وتأثير الفضائيات في تأجيج الرغبة الجنسية، بالإضافة إلى اكتشاف حقوق الإنسان الجنسية وقيمة الإشباع الجنسي في توازن الفرد،  كل ذلك يدفع المغاربة إلى الإقبال على الجنس بنهم وشره. لكن رغم الإقبال السلوكي والعملي على الجنس، لازلنا نلاحظ حضور الشعور بالإثم في الكثير من حالات الجنس غير الزوجي والمثلي، ولازلنا نرى أن القانون غير معترف بكل السلوكات الجنسية غير الزوجية. هذه هي سمات الانتقال الجنسي. إذن تجاوزنا المرحلة التقليدية ولم ندخل بعد بشكل كلي في الحداثة الجنسية، إنما نحن في مرحلة جنسية انتقالية، في جنسانية انتقالية لم تقطع كلية مع الإسلام كمرجع  وكمعيار، ولم تخل بعد كلية في الحداثة كمرجع وكمعيار، جنسانية مزدوجة، في منزلة بين المنزلتين.

+ يبدو المجتمع المغربي دائما في حالة مخاض دائم، أي دائما هناك ظواهر تظهر بشكل واضح وبقوة رغم وجودها المسبق، مثلا الدعارة موجودة منذ القدم ولكن الملاحظ أن بنية وتركيبة المجتمع المغربي دائما في حالة مخاض، مع عدم الانتقال إلى مراحل أخرى، هل هذا راجع، إذا كان صحيحا، لطبيعة المجتمع المغربي؟

++نحن في مرحلة انتقال، وهناك مفارقات وتناقضات، فهناك مثلا من جهة فقدان عملي للبكارة لكنها تظل في بعض الأوساط مطلوبة وهناك مساهمة أطباء في إعادة ترميمها لمساعدة الفتاة حتى تتزوج دون فضيحة. هذه التناقضات يمكن أن نعبر عنها من خلال مفهوم المخاض لكنه مخاض إيجابي، أي ينبغي أن لا نرى في هذه التناقضات ما يسميه الإسلامويون فتنة أو انحرافا أو عودة إلى الجاهلية. إن النظر إلى هذه الظواهر كانحراف وزيغ وفتنة أو جاهلية جديدة، هي مقاربة أخلاقية تريد أن تعود بنا إلى عصر تم تجاوزه، بل إلى عصر "نقي" جنسيا لا يوجد إلا في مخيلة الإسلامويين. إن المقاربة السوسيولوجية الموضوعية  لهذا المخاض تقتضي أن نرى فيه انتقالا جنسيا من جنسانية تقليدية إلى جنسانية حداثية. وهذا مسار حتمي، لابد من المرور منه. فالمجتمع المغربي، رغم إسلاميته (بل وبفضلها)، عليه أن يسير نحو الحداثة الجنسية، وهو سائر نحوها، حتما.

+ رغم أن المجتمع المغربي بكل شرائحه يدين هذه الظاهرة إلا أننا نلاحظ أنه في نفس الآن يتعايش معها، أي أن هناك مستهلك لهذه الخدمة، أي هناك طلب عن عرض مقدم، كيف نفسر هذه الإدانة وهذا التعايش؟

++ كان الطلب موجودا دائما، لأنه من الطوباوية أن نعتقد أن الإنسان يستطيع سجن الجنس في الجنس الزوجي... إذا أخذنا مثلا الإسلام نفسه، فبالنسبة له، الجنس الشرعي ما هو جنس زوجي إلا بالنسبة للمرأة فقط، المرأة لوحدها لا يمكنها أن تمارس الجنس إلا في إطار الزواج. أما بالنسبة للرجل، فله الحق شرعا في الزواج كما له الحق فيما ملكت يمينه. يعني ذلك أن الجنسانية الشرعية عند الرجل هي زوجية وغير زوجية. رغم هذه "الحرية الجنسية" التي منحها الإسلام للرجل، كان زنا الرجل يحدث، وكان اللواط يحدث... في كل مجتمع، لا بد من حدوث سلوكات جنسانية غير شرعية بين النساء والرجال، بين الكبار والصغار، بين الرجال والرجال، وبين النساء والنساء... لا وجود لمجتمع بشري خلا من هذه الظواهر. ينبغي أن نكون ساذجين (أو سياسيين) لكي نقول أنه وجد مجتمع إسلامي خلا من جنسانية غير شرعية. فكل مجتمع بشري يعرف بالطبيعة جنسانية شرعية وأخرى غير شرعية. أما سير التاريخ فيعني أن حقل الجنسانية الشرعية يتوسع. ما كان غير شرعي يصبح تدريجيا شرعيا استجابة لمنطق الجنسانية نفسها، وهو المنطق الذي يفرض نفسه تدريجيا ضد كل المرجعيات التي حاولت تسخير الجنسانية إلى أهداف غير جنسانية. في المجتمعات الأوروبية أو الأمريكية، كانت تقتصر الجنسانية الشرعية على الجنسانية الزوجية، لكن الآن نرى أن الجنسانية غير الزوجية بين راشدين راضيين أصبحت جنسانية شرعية، وبالتالي نرى أن الجنسانية تتطور نحو التحرر من قيود الزوجية، أي من هيمنة القيود الدينية الأبيسية المسلطة عليها وضدها. التاريخ يبين أن الجنسانية لا يمكن أن نسجنها في الزواج وبه، أو نسجنها في العلاقة الغيرية بين الرجل والمرأة. إنها قوة تخترق هذه الحدود، والمغرب بدوره يعيش هذا التحرر ويعيش هذه المسيرة. فهناك اليوم في المغرب قيم دينية معروفة وسائدة كما أن هناك قوانين أيضا معروفة وسائدة، لكنها لا تصمد أمام التطور الجنسي الحاصل. عمليا يعرف المجتمع المغربي أشكالا كثيرة ومتعددة من الجنسانية غير القانونية، وهذا واقع، ثم إن رقعة هذه الجنسانية غير القانونية آخذة في الاتساع نظرا للتحديث الذي يعيشه المجتمع المغربي. إن الحداثة قوة  تفرض أن لا تظل الجنسانية حبيسة الإطار الزوجي وهذا ما نراه في الواقع اليومي في المغرب. وحتما، سيأتي يوم ستتغير فيه القوانين احتراما لواقعنا، ومسايرة لحقيقتنا...

+ وهل هذا يشكل تمردا على قيم الدين والقيم الأخلاقية التي تحارب الظاهرة بالمنع؟

++ إنه تمرد عملي، وهذا ما قلته مرارا أي أن هناك خرق عملي للتحريمات الدينية السائدة وخرق عملي للقوانين، لكن لا أحد يجرؤ على المطالبة صراحة بتغيير القوانين، وشخصيا أعتبر نفسي المثقف الوحيد الذي تجرأ على المطالبة بحذف الفصلين 489 و490 من القانون الجنائي، فلا أحد في علمي طالب بحذف هذين الفصلين، وأتمنى أن أكون مخطئا هنا... الفصل 489 يجرم المثلية بينما الفصل 490 يجرم العلاقة بين رجل وامرأة غير متزوجين، وفي الواقع اليومي نرى تكاثر المثلية كما نرى تكاثر العلاقات بين الرجال والنساء قبل الزواج... هناك خرق عملي للقانون، وهو الخرق الذي لم يبق استثنائيا، بل أصبح بنيانيا، وهذا ما يحتم تكييف القانون مع الواقع. الواقع الجنسي المغربي متقدم على القانون، الواقع تقدم بخطى أسرع، أما القانون تلك القوة المحافظة بطبعه، فيظل محافظا نظرا لمرجعية إسلامية سائدة يريد مدبروها السائدون أن تظل محافظة، أي ثابتة، رغم أنها من المعاملات ولا تمس العقائد أبدا.

+ ألم يكن لديك تخوف أن تفتح ضدكم جبهة من طرف متشددين؟

** نعم هي جبهة مفتوحة منذ سنوات، وليس هذا بالجديد لكنني كمواطن، وكمثقف ملتزم، أعبر عن رأيي بشكل سلمي... إنها أفكار، إنها أفكاري... وليست لي القوة كفرد لتغيير أي شيء. فهذه الدعوة لتغيير القوانين أوجهها أولا، وقد وجهتها منذ 2007، إلى كل الأحزاب والجمعيات التقدمية التي أعتبرها المؤهلة في المقام الأول للمطالبة بتغيير القوانين الجنسية... لا يعقل في نظري أن نجد حزبا يساريا وحزبا يمينيا يعودان إلى نفس المرجعية في ما يتعلق بالجنس! على الأقل، لا بد من الاختلاف في قراءة النصوص المرجعية... لماذا نجد أن كل الأحزاب المغربية لها نفس المرجعية ونفس القراءة حينما يتعلق الأمر بالجنس؟ بما أن هناك أحزاب يسار وأحزاب يمين، على أحزاب اليسار أن تتبنى مرجعية جنسية يسارية أو أن تنتج قراءة يسارية لما تقوله النصوص الإسلامية بصدد الجنس... وعلى الأحزاب الليبرالية مثل "التجمع الوطني للأحرار" أن تتبنى مرجعية جنسية ليبرالية، أو قراءة ليبرالية للنصوص... منطقيا، على كل حزب أن يكون وفيا لمبادئه، أن يكون هناك انسجام بين مواقفه في كل الميادين، فلا يمكن أن أكون فقط ليبراليا في الاقتصاد وأنادي بالسوق وفي السياسة وأنادي بالتعدد، أما حينما يتعلق الأمر بالجنس، أنسى الليبرالية وأرجع إلى الدين بشكل حرفي ولا أجتهد فيه. وإذا كنت يساريا، علي أن أتبنى مرجعية ي جنسية يسارية في قراءتي للقوانين عند استحالة علمنتها. شخصيا، أشخص الوضع، وأقترح بعض الأشياء، لكن ليس في مقدوري، كمثقف ملتزم ومستقل، تغيير أي شيء... كل ما أفعل أنني أوصي القوى المستنيرة بشكل عام بأن تطالب بتغيير القوانين الجنسية التي لم تعد ملائمة للواقع المغربي.

+ هل تطالبون بعدم الاعتماد على المرجعية الدينية كأساس للتعامل مع هذه الظاهرة؟

++ هذا سؤال مهم، وأقول إما أن نجتهد في النصوص المقدسة لنجعلها مطابقة للواقع ومسايرة للواقع، وهذه إمكانية واردة وأقول لماذا لا نستخرج من القرآن ومن السنة قوانين تبيح مثلا العلاقة الجنسية بين الشباب والشابة خارج الزواج، نظرا لاعتبارات كثيرة، لم لا؟ وإذا لم نستطع فعلينا أن نعلمن القانون المتعلق بالجنس، فإما وإما. كما فعلنا في مدونة الأسرة، واجتهدنا في النص الديني واستخرجنا منه قوانين أكثر ملائمة للواقع الحالي، فلنحاول فعل نفس الشيء بالنسبة للحقل الجنسي، أي استخراج قوانين ملائمة للواقع... إذا استطعنا فجيد، أما إذا عجزنا فعلينا أن نُعَلمن القوانين بشكل عام، أي أن نقطع مع النص الديني كنص ينظم حقل الجنس، وتلك القطيعة لن تمس أبدا إسلامنا وعقيدتنا. وأعطي هنا مثالا... في مغرب اليوم، لا نعمل "بما ملكت الأيمان"، فليس من حق الرجل اليوم أن يشتري امرأة وأن يجعل منها جاريته وخليلته، ومعنى هذا أننا توقفنا عن العمل بالنص. وهذا نص صريح لا نعمل به، فإما أننا اجتهدنا ضده أو أننا علقناه أو يمكن القول أننا قمنا هنا بعلمنة، أي أننا منعنا الاسترقاق الجنسي باسم قيم إنسانية دولية. هنا تخلي عن نص مقدس معناه ظاهر، ولا يوجد في ذلك التخلي تنكر للعقيدة. إذن لماذا نقف عند هذا الحد من العلمنة؟ في الوقت الراهن، يجب أن نذهب إلى أبعد من ذلك في الميدان الجنسي.

+ إذا فشل النظام في تطبيق هذين الاحتمالين، فهل ستسير رقعة الانفجار الجنسي، كما أسميتموها، في الاتساع رغم المنع؟

++ طبعا، ولهذا استعملت كلمة انفجار، فما معنى أن يكون شاب وشابة جالسين في مقهى أو في حديقة لا يؤذيان أحدا أو في منزل يمارسان الجنس برضاهما المطلق ولا يؤذيان أحدا، وتأتي السلطات المختصة لإلقاء القبض عليهما؟ إنه قمع و تدخل في الحريات الفردية. كلما ازداد القمع كلما كان الانفجار أكبر، معروف أن القمع يؤدي إلى الانفجار. المنع والقمع والرقابة ليست أبدا هي الأدوات التي ينبغي أن نستعمل لضبط الحقل الجنسي، بل ينبغي أن نستعمل أداة التربية الجنسية، كلما أعطينا التربية جنسية إلى الطفل والشاب والمرأة والرجل، كلما أجلنا بداية النشاط الجنسي، وكلما جعلنا منه نشاطا مسؤولا... وحتى يكون مسؤولا، يجب أن يكون نشاطا حرا يختاره الفرد بحرية دون الشعور بالذنب... حينما يكون الإنسان مقموعا جنسيا فإنه يسرق الجنس وفي السرقة مخاطر صحية واجتماعية... القمع الديني والقانوني يولد الانفجار الجنسي... لا أقول أن الانفجار الجنسي الحاصل اليوم في المغرب يعود فقط إلى القمع وحده، إن القمع أحد عوامل الانفجار الجنسي.

+ هل تكاثر الطلب على العاملة الجنسية بشكل مثير أصبحنا نراه اليوم، مرده إلى تحولات في البنية الأسرية داخل المجتمع المغربي وتغيير في الثوابت والقيم أي الدين والأخلاق؟

++ إن الهشاشة الاقتصادية لها أسباب داخلية وطنية ولها أسباب دولية في العلاقة اللامتكافئة بين الشمال والجنوب، وهذه الهشاشة هي التي تجعل من الفتيات الهشات فتيات قابلات لتطعيم السوق الجنسية. إن الهشاشة الاقتصادية التي تعرفها الفتاة وتعرفها الأسر هي التي تحول تلك الفتيات إلى سلع في السوق الجنسية. من السذاجة أن نعتقد أن الوعظ الديني أو أن الرسائل التحسيسية قادرة لوحدها على إيقاف هذا المد. هناك إنتاج بالمجلة لفتيات يبعن أجسادهن وهناك صناعة بالجملة لهؤلاء الفتيات وهذا الإنتاج الغزير المزود للسوق الجنسية لن يقف مادامت الهشاشة قائمة، ومتفاقمة، وبالتالي علينا أن نحد من الهشاشة الاقتصادية ومن وقعها على الأسر. طبعا، هناك عوامل أخرى، لنفكر مثلا في المغرب كبلد يستعد إلى استقبال عشرة ملايين سائح. حينما نتحدث عن السياحة، فنحن نتحدث أيضا عن السياحة الجنسية، وهذه الأخيرة تقتضي أن نهيئ سوقا جنسا غير مهيكلة طبعا، وأن نهيئ عاملات جنسيات... هناك نوع من التناقض في سياسة الدولة، رسميا نحاول محاربة الظاهرة وتجريمها والحد منها ومراقبة الشبكات، من جهة ثانية، نشجع السياحة وضمنيا السياحة الجنسية.  وبالتالي ينبغي أن نضع سؤالا، وهذا سؤال مهم وضعته منذ سنين: هل للمغرب سياسة جنسية وطنية؟ ما هي سياسة المغرب الجنسية؟ هل للمغرب سياسة جنسية عمومية؟ الجواب هو أنني لا أعتقد ذلك، شخصيا لا أستطيع تشخيص هذه السياسة لأنه ليس لها وجود... وبالتالي، غياب سياسة جنسية وطنية هو الذي يفسر بالأساس الانفجار الجنسي كما يفسر كل الظواهر التي نشاهدها... إن الفرد المغربي متروك لأمره جنسيا، دون حقوق ودون توجيهات... إن المغربي ليس مواطنا بعد لأن للمواطن حقوقا جنسية... إذا استثنينا النصوص القانونية وتطبيقها الظرفي والانتقائي، وبعض الرسائل الخجولة لمحاربة داء فقدان المناعة المكتسبة، لن نجد شيئا آخر... لا يمكن أبدا لسياسة جنسية وطنية أن تقف عند هاتين النقطتين، إن السياسة الجنسية شيء أعقد.

+ متى يمكن أن نقول أن ظاهرة ما هي سلبية وتعيق تقدم وحركية المجتمع، أقصد هنا المجتمع المغربي؟

++ نقول أن ظاهرة سلبية إذا لم نتحكم فيها، إذا انفلتت بالفعل من سيطرة صانعي القرار، فكلما استطاع صانع القرار التحكم في الظواهر كلما كانت الظواهر مقبولة ومنطقية ومستهدفة، وإذا انفلتت ظاهرة من السيطرة ومن التحكم الدولتي، يمكن أن تكون لها عواقب سلبية بالفعل.

+ وفيما يخص ظاهرة الدعارة؟

++ إنه أمر واضح، وهذا أيضا سؤالي، هل النشاط الجنسي/الاقتصادي ظاهرة تتحكم فيها الدولة؟ هل هي ظاهرة انفلتت من سيطرة الدولة؟ وهذا هو السؤال والإجابة عنه ليست بالبسيطة. هناك عناصر تفيد بأنها مسيطر عليها وهناك عناصر تفيد بأنها غير مسيطر عليها.

+ ما الذي يؤدي إلى انتشار ظاهرة ما، على مستوى المجتمع، ودائما فيما يخص الدعارة؟

++ بالنسبة لي السبب الأساسي في انتشار النشاط الجنسي/الاقتصادي هو الهشاشة الاقتصادية التي تستغل من طرف شبكات وطنية ومن طرف شبكات دولية. طبعا هناك بعض النساء اللواتي يعملن لوحدهن بشكل مستقل، لكن عموما حقل النشاط الجنسي/الاقتصادي حقل شبه مهيكل من طرف شبكات مهيكلة أو شبه مهيكلة، وهذا هو السبب الرئيسي في انتشار ظاهرة النشاط الجنسي/الاقتصادي.

+ وماذا تقترح في الموضوع؟

++ لست مؤهلا كفرد لاقتراح سياسة جنسية وطنية. قد سبق وأن كتبت واقترحت عقد مناظرة وطنية لوضع سؤال السياسة الجنسية الوطنية في المغرب. هدف المناظرة هو تشخيص معالم السياسة الجنسية الوطنية التي نريد... ليست عندي شخصيا حلولا فردية جاهزة، طبعا لدي قناعات لكنها قناعات يجب أن تناقش... هناك قناعات أخرى، وهناك فاعلون سياسيون وجمعويون وهناك دولة، وعلى كل هؤلاء أن يجتمعوا في إطار مناظرة وطنية لتشخيص ووضع أسس سياسة جنسية عمومية، هذا هو الرهان اليوم.

 

 

 

   

 

 

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires