Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
7 novembre 2011 1 07 /11 /novembre /2011 21:07

حوار أجرته معي جريدة "الأيام" في غشت 2011

 

 هل يمكن الحديث عن وجود عنف نسوي ضد الرجال في المغرب؟

كيف يمكن أن أقدم جوابا علميا على هذا السؤال مع غياب معطيات ميدانية؟ إنها مشكلة عالم الاجتماع في المغرب. إنه مشكل افتقار البحث العلمي للشروط والإمكانيات الضرورية. حينما تتوفر هذه الإمكانيات، فإنها تتوفر للإدارة، وهذا ما حصل في الدراسة الوطنية المتعلقة بعنف الرجال ضد النساء. ورغم أهمية هذه الدراسة، فإنها تعكس المنظور السائد حاليا، أي التركيز على عنف الرجال ضد النساء. أما عنف النساء ضد الرجال، فمغيب علميا في المغرب، مما لا يسعفني على الإجابة عن سؤالكم بشكل علمي دقيق...

انطلاقا من هذه الملاحظة الجوهرية، أفترض أن العنف النسوي ضد الرجال في المغرب شيء موجود، وأفترض أيضا أنه موجود بنسبة أضعف بالمقارنة مع العنف الرجالي ضد المرأة. وهو أيضا عنف أقل ظهورا وأقل تداولا إذ لا يروجه الخطاب اليومي، فهو عبارة عن حادثة سير تقع بشكل ناذر في المجتمع المغربي الأبيسي الذي هو مأسسة لعنف الرجل ضد المرأة.

فعلا، إن العلاقة بين المرأة والرجل في النظام الأبيسي الذكوري علاقة عنف، أي علاقة سيد (الذي هو الرجل) بعبد (الذي هو المرأة)، لدرجة أن المرأة ترى في تعنيفها من طرف الرجل شيئا طبيعيا ومشروعا. الأبيسية في ذاتها وبذاتها شرعنة عنف الرجال ضد النساء. لذلك يظهر تعنيف المرأة للرجل في النظام الأبيسي نشازا لا مكان له. ومن ثم الصمت حوله حين يقع.

طيلة قرون، كانت النساء تقبل العنف الممارس عليهن، فلا هن يصرحن به ولا هن ينددن به لأنه كان يدرك كآلية من آليات اشتغال العائلة الأبيسية والحفاظ عليها وإعادة إنتاجها. ويشكل قبول عدم التصريح بالعنف عنفا ثقافيا مستبطنا من طرف المرأة الضحية. والأمر أخطر فيما يخص عنف المرأة ضد الرجل. فمن باب شبه-المستحيل أن يصرح الزوج بالعنف الذي يمارس عليه من قبل زوجته لأن في ذلك التصريح اعتراف بنقص في رجولته، أو بضعفه على الأقل. إن الرجل المعنف من طرف امرأة يتوقف عن إدراك نفسه كرجل، ولذلك فإنه يعمل على إخفاء هذا العنف الممارس عليه بكل الوسائل كي لا يشعر أنه فقد رجولته أمام الآخرين. إن نظرة الآخر للرجل المعنف من طرف امرأة نظرة قاتلة. الرجل المعنف يموت كرجل. أبيسيا، الإشهار المقبول للعنف هو إشهار العنف الرجالي، والافتخار به دليل على الرجولة. لذلك، من المتعذر أن تحتل هذه الظاهرة مكانا في الحديث اليومي. من ثم ضرورة بحث ميداني علمي، لكن البحث السوسيولوجي ينتج عادة عن طلب من إدارة أو مقاولة أو منظمة أو جمعية (الرجال ضحايا العنف مثلا)، وما من جهة اليوم في المغرب تود تشخيص وقياس هذه الظاهرة. لا أحد يرى فيها، في حالة التأكد من ارتفاع تكراريتها، مؤشرا إضافيا على أزمة الأبيسية.  

 

ـ هل العنف خاصية رجالية؟ ألا تمارس المرأة العنف ضد زوجها؟ ألم تقرؤوا عن الزوجات اللواتي ضربن أزواجهن بطرق مخيفة؟ ما هي الأسباب التي تدفع الجنس اللطيف لممارسة العنف؟

ـ ما تقولونه موجود بلا شك، لكن النظام الأبيسي يربط العنف بالرجولة بالنظر لتعريف هذه الأخيرة بسمتين أساسيتين هما التفوق العضلي والقدرة على الكسب والإعالة.، هاتان الخاصيتان الأبيسيتان المحددتان للرجولة الأبيسية تمكنان الرجل وتسمحان له من تعنيف المرأة بدنيا وإخضاعها اقتصاديا. ولا يتوقف الأمر هنا، بل تتولد أشكال أخرى من العنف الرجالي، وأقصد بها العنف الجنسي والعنف اللفظي والعنف النفسي العاطفي. إن تاريخ المرأة هو تاريخ اضطهادها كما كتب ذلك هيربر ماركيوز Marcuse  . في المجتمعات الإسلامية،  يجد العنف الرجالي سندا قويا في القرآن وبالضبط في الآية التالية: "واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا". وقد حاول الفقهاء تلطيف حق الزوج في تعنيف الزوجة من أجل تطويعها عندما شددوا على أن لا يكون الضرب مبرحا، أي أن لا يكون مؤلما وأن لا يترك آثارا ظاهرة على الوجه بالخصوص.

 نظرا لكل هذه الاعتبارات التي ترسخت في اللاشعور الأبيسي، لا شعورنا الجمعي لا يزال أبيسيا رغم التحديث بل هو المستوى الذي يقاوم الحداثة أكثر من غيره في الشخصية القاعدية،  فإننا نندهش حينما نتحدث عن تعنيف المرأة للرجل. وهي الدهشة التي بدأت تزول تدريجيا أمام تسجيل تصاعد وتيرة العنف النسوي ضد الرجال حسب بعض الدراسات الريادية في كندا مثلا.

إن الدراسات السوسيولوجية التي أجريت في دول غربية تشير إلى أن الشكل السائد للعنف النسوي ضد الرجل هو عنف لغوي نفسي، من قبيل الإهانة والشتم والسب والتحقير والتشكيك في الرجولة والفحولة... كما أثبتت هذه الدراسات أن المرأة تمارس أيضا عنفا بدنيا فيزيقيا كالعض والخبش والضرب بالأواني واستعمال الأدوات الحادة ... ويمكن للمرأة أن تستغل نوم الرجل لتمارس عليه عنفا بدنيا يذهب إلى حد بتر ذكره أو قتله...

أولا، يمكن تفسير العنف النسوي انطلاقا من المنطق الأبيسي نفسه. فجزء كبير من العنف النسوي يقوم على اتهام الزوج بعدم القيام بواجباته كزوج، أساسا حينما يفقد الزوج قدرته على  الإنفاق أو على إرضاء الزوجة جنسيا. في هاتين الحالتين، يفقد الزوج سلطته ويصبح قابلا للتعنيف بكل الأشكال، بما فيها العنف البدني. هنا يفقد الزوج مكانته السيادية، أي يفقد رجولته وكل الامتيازات والسلط المرتبطة بها أبيسيا. أيضا، حين تكون الزوجة هي المعيل الرئيسي للأسرة إذا كان الزوج عاطلا عن العمل، أو حين تكون الزوجة أكثر ثراء من الزوج، فإن ذلك يؤهل الزوجة لممارسة العنف على زوجها. لكن في هذه الحالات نفسها، حالات عجز الزوج أو دونيته، يلجأ بعض الرجال إلى تعنيف الزوجة بدنيا، وفي ذلك تعويض للقدرة على الباءة بالقدرة على التعنيف (البدني بالخصوص) من أجل فرض رجولة لا تقبل أن تساءل ولا أن يعاد النظر في سيادتها بغض النظر عن وضعها الاقتصادي الهش.

 لذا لا بد من الحديث عن عوامل إضافية تفسر العنف النسوي مثل ضعف شخصية الرجل أو شعوره بالذنب أو حالته النفسية من جراء تناول كحول أو مخدرات. إنها عوامل توطد الشعور بالعجز والنقص عند الرجل. باختصار شديد، حينما تحس المرأة أنها تملك امتيازا اقتصاديا أو اجتماعيا أو اعتباريا، فإنه يسهل عليها تعنيف زوجها من خلال شتمه أو صفعه أو ضربه.

ثانيا، هناك عوامل أخرى تحيل على أزمة الأبيسية نفسها، وتفسر بدورها العنف النسوي. فهناك تزعزع الاقتناع بشرعية العنف الرجالي. فعلا، تعني الحداثة أن الأبيسية تفقد مشروعيتها باعتبارها نسقا لا عقلانيا يتميز بالتمييز الجنسي وباللامساواة. انطلاقا من هذا الاهتزاز، تبنت المرأة منطق قصاص مفاده "العنف بالعنف"، بعد أن كانت تواجه العنف الرجالي بالكيد والحيلة والسحر والخيانة... بتعبير آخر، يمكن القول أن جزء من العنف النسوي دفاع عن النفس أو انتقام من رجل معنف،  خصوصا عندما يكون للمرأة دخل قار وحينما تساهم في النفقة وحين يعترف المجتمع بالمساواة بين الجنسين. فأمام خيانة الزوج مثلا، لا تبقى المرأة الحداثية مكتوفة الأيدي لأنها لم تبق مقتنعة بحق الرجل في التعدد، الزوجي وغير الزوجي. في هذه الحالة، تلجأ الزوجة إلى تعنيف زوجها وهي مقتنعة بمشروعية تعنيفها له.

خلاصة القول، إما أن العنف النسوي خلل "مرضي" في مجتمع أبيسي لا يقوم فيه الرجل بوظائفه التقليدية فيفقد رجولته وهو ما يحوله إلى "امرأة" قابلة للنعنيف، وإما أن العنف النسوي ظاهرة "صحية" جديدة في مجتمع جديد يقوم على المساواة بين الجنسين وعلى منطق القصاص، السب بالسب والضرب بالضرب والخيانة بالخيانة...

 

ـ طيب، هل العنف ضد الرجال يوجد في الدول المتقدمة أم أنه مرتبط بالفقر والجهل فقط؟

ـ هذا سؤال مهم جدا، وله في اعتقادي جوابان يسيران في اتجاهين مختلفين.

أما الجواب الأول فمفاده أن العنف الزوجي المتبادل ظاهرة متواجدة في كل المجتمعات دون استثناء وفي كل الطبقات الاجتماعية دون استثناء.  إنه جواب لا يخلو من صواب. وهو جواب مستقى من الدراسات النسائية التي تقر أن عنف الرجال ضد النساء يخترق المجتمع كله ويهم كل الرجال وكل النساء. اليوم وكما سبق أن قلت، أثبتت بعض الدراسات أن الرجال أصبحوا ضحية عنف نسوي متكرر بل وبنيوي. وهو العنف الذي يخترق بدوره المجتمع كله ويهم الكل. ما العمل أمام هذا الطرح؟ كيف يمكن معالجة العنف الزوجي في هذه الحالة؟ أية ثورة ينبغي القيام بها؟ وضد من؟ هل هي ثورة المجتمع الحداثي ضد المجتمع الما-بعد التقليدي؟ لكن إذا كان هذا الأخير يتميز بتكررارية عالية لعنف الرجال، فإن المجتمع الحداثي ينتج بدوره عنف النساء بالجملة وتقريبا بنفس التكررارية التي لا زال ينتج بها عنف الرجال.

ينطلق الجواب الثاني من ضعف الجواب الأول الذي لا ينصت جيدا إلى الواقع وإلى التباينات الموجودة بين الطبقات الاجتماعية، بين المدينة والبادية، بين المتعلمين وغير المتعلمين، ثم بين الدول الديمقراطية المتقدمة والدول غير الديمقراطية المتخلفة... لنأخذ مثال عامل الفقر مثلا. فهو عامل يفسر تعنيف الزوج لزوجته ولتعنيف الزوجة لزوجها. بصدد هذا العامل، يبين الدرس السوسيولوجي أن نسبة العنف الزوجي في الأوساط الفقيرة أعلى من نسبة العنف في الأوساط الغنية. ثم إن اللجوء إلى العنف البدني أكثر تكرارية في الأوساط الفقيرة. المثقف أيضا يمكن أن يعنف زوجته لأنه ليس ملاكا، والمثقفة كذلك غير منزهة عن ممارسة العنف، لكنني أفترض أن المثقف يمارس العنف البدني بشكل أقل بالمقارنة مع الفلاح أو العامل. من القوانين السوسيولوجية العلمية القول بالترابط بين الأوساط الفقيرة والشعبية وبين ارتفاع تكرارية العنف البدني.

إذن لا يكفي القول أن العنف الزوجي يخترق كل الطبقات وكل الأوساط، فهو قول لا يصف الواقع بدقة ولا يفرز بدقة دور بعض العوامل ولا يمكن من المقارنة. كل ذلك يفضي إلى استحالة سن سياسات عمومية ملائمة. أية سياسية عمومية يمكن سنها إذا أقررنا أن العنف الزوجي المتبادل يخترق كل الأوساط وكل المجتمعات بغض النظر عن مستوى تطورها؟ أما إذا اكتشفنا دور الفقر في إنتاج نسب أكبر من العنف وأشكال أخطر من العنف، أو إذا اكتشفنا أن الأمية تقوم بنفس الدور، آنذاك يتحتم على صانع القرار أن يحارب الفقر والأمية من خلال سياساته العمومية. أيضا، يلعب تعريف الرجولة دورا أساسيا في انتشار عنف الرجال. فالتعريف الأبيسي للرجولة يجعل من العنف إحدى صفاتها الأساسية. فكلما كان المجتمع متخلفا، كلما ساد هذا التعريف للرجولة، وكلما نما وتدمقرط المجتمع، كلما تراجع ذلك التعريف وكلما يتم الفصل بين الرجولة والعنف، وبين المرأة والطاعة والخنوع.

من جهة أخري، لا بد من الإقرار أن النساء في الدول المتقدمة أكثر عنفا ضد الرجال بالمقارنة مع النساء في دول الجنوب. لماذا؟ لأن المرأة في الغرب نالت معظم حقوقها وحصلت على استقلالها الاقتصادي، فهي على قدم المساواة مع الرجل بل ويمكن أن تستغني عن الرجل وعن الزواج. لذلك، يسهل عليها تعنيف الزوج عملا بمنطق القصاص المساواتي. أما في حالة الزوج المغربي le couple  ، فإن تعنيف الرجال للنساء أكبر حجما من تعنيف النساء للرجال نظرا لمستوى تطور المغرب، فمعظم الزوجات ربات بيوت تابعات للزوج من كل الجوانب، خصوصا من الناحية الاقتصادية، ولذلك يصعب عليهن      الجهر بالعنف الممارس عليهن، وبالأحرى ممارسة العنف على أزواجهن. كلما استقلت المرأة اقتصاديا كلما كانت قدرتها على تعنيف الرجل أكبر، وكلما انخفضت إمكانياتها الاقتصادية كلما قلت قدرتها على تعنيفه، وارتفعت إمكانية تعنيفها من طرف الرجل. كلما استقلت المرأة اقتصاديا كلما تعرض أساس الترتيب الأسري الذي أفرزه النظام الأبيسي للانكسار، وكلما أصبح العنف متبادلا بين الزوجين، وأصبحت الأسرة مستحيلة وارتفعت  نسبة الطلاق وارتفعت نسبة العزوف عن الزواج وتكاثرت الوحدات السكنية ذات الفرد الواحد. وهذا ما يحدث بالضبط في الغرب، وهذا ما بدأ يحدث في المغرب لأن المرأة المغربية، ضحية العنف الرجالي لقرون طويلة، تستفيق اليوم من سباتها الأبيسي. إنها تنتقل من عنف أبيسي مضاد يحارب الرجل باسم أنوثة أبيسية إلى عنف قصاصي مساواتي يحارب الرجل باسم أنوثة جديدة تؤمن بالمساواة (في الحقوق، في كل الحقوق) مع الاحتفاظ باختلافها وخصوصيتها.

نهاية القول، أعتقد أن نهاية العنف بين الجنسين لن تتحقق إلا بتحقق المساواة الكاملة بينهما على أرض الواقع، وهذا مشروع يحتاج تحقيقه إلى اقتناع عميق بمبدأ المساواة... من طرف الطبقة الجنسية السائدة، أي طبقة الرجال... ومن طرف النساء أيضا لأن الإيديولجيا الأبيسية ككل إيديولوجيا لا تنجح بدون اقتناع ضحاياها بها...

 

Partager cet article

Repost 0
Published by Dialmy - dans Féminisme
commenter cet article

commentaires