Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
8 novembre 2015 7 08 /11 /novembre /2015 19:07

"إضافات"، المجلة العربية لعلم الاجتماع، العددان 31-32، صيف-خريف 2015

حول تكريم السوسيولوجي المشاغب والملتزم عبد الصمد الديالمي*

محمد الإدريسي**

أستاذ باحث في السوسيولوجيا –الجدبدة-المغرب

"في السبعينات كانت المعايير الجنسية لدى المغاربة متقدمة على السلوكيات، أما اليوم فالعكس هو السائد". عبد الصمد الديالمي.

-1-

تأتي هذه الورقة على هامش تكريم السوسيولوجي المغربي عبد الصمد الديالمي من طرف جمعية "أصدقاء السوسيولوجيا" بتطوان، وأيضا على هامش الذكرى الثالثة عشر لرحيل السوسيولوجي الفرنسي الملتزم بيير بورديو، كلحظة عرفان بالإسهام البناء للديالمي في التحقق البنائي-الموضوعي للانعكاسية السوسيولوجية والالتزام المزعج للدرس البورديوي، في ظل ازدواجية معيارية في التعاطي مع الباحث الاجتماعي داخل المجتمعات العربية، وإمكانية الحديث عن ضرورة التمكن الابستيمولوجي للعلوم الاجتماعية من لإسهام في رسم منطق التنمية البشرية وتحقيق رهان التنمية المستدامة بالمجتمعات العربية.

-2-

ما من متصفح لأدبيات البحث الجنساني بالمجتمع المغربي والعربي بوجه عام، يستطيع أن ينكر الإسهام الميتودولوجي والابستيمولوجي الذي أحدثه الأستاذ عبد الصمد الديالمي في تاريخ البحث في الظاهرة الجنسية العربية، انطلاقا من مسار علمي دام –ويستمر- لأزيد من ثلاثين سنة من البحث والتنظير الملتزم معرفيا والمشاغب والمزعج سياسيا واجتماعيا.

-3-

أتذكر "نوستالجيا" احتكاكنا الأول مع الأبحاث والدراسات "الديالموية" أثناء مرحلة الدراسة الجامعية، طرديا مع تاريخ البحث السوسيولوجي بالمغرب، انطلاقا من ثيمة الجنس والجنسانية المغربية والعربية، الأمر الذي ترك بصمة منهجية وابستيمولوجية راسخة طبعت مسار الشرط الموضوعي لبناء الاهتمام السوسيولوجي والأنثروبولوجي بالظاهرة الجنسانية بالمجتمع المغربي، وقد تكون لحظة فارقة في تاريخ البحث الأكاديمي ككل، نظرا للحس الموضوعي التفكيكي الذي ميز الدرس السوسيولوجي الجامعي للأستاذ عبد الصمد الديالمي، مازجا بين الالتزام السوسيولوجي والإزعاج السيكسولوجي، بين الباحث الاجتماعي الموضوعي، والمناضل الطامح نحو رسم معالم مشروع جنساني-مجتمعي تقدمي، مدني، وليبرالي.

-4-

مَثل الديالمي لعقود طويلة الأستاذ-الأب - سوسيولوجيا- والمعلم الفذ، الطامح لمقاربة العضو الحساس في جسم المجتمع –الجنس- والساعي لتكوين أجيال ملتزمة برهان القضية السوسيولوجية، الموضوعية والملتزمة والطامحة للإسهام في رسم معالم المسار العام للمشروع الاجتماعي والسياسي للمجتمع المغربي.

"هناك انفجار جنساني بالمغرب، كل شيء ممكن جنسا الآن بالمغرب، كل ما يمكن أن يتصوره الإنسان على مستوى الجنس يقع في المغرب، والمعايير غير مصاحبة للمنظور السلوكي"

عبد الصمد الديالمي.

-5-

وكما أسلفنا الذكر، فقد تبلورت فكرة هذه الورقة بمناسبة تكريم الأستاذ عبد الصمد الديالمي، وتزامنا مع حلقة تواصلية أكاديمية جمعتنا بمجموعة من الأساتذة الذين ظلوا أوفياء للحس الملتزم لهذا "العالِم الاجتماعي"، راسمين لوحة إجلال واعتراف بالطابع الأكاديمي الملتزم للدرس السوسيولوجي والسكسولوجي الديالموي، الذي احتكوا–ولازالوا- وتأثروا به أيما تأثر، أثناء ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

-6-

من المجحف القيام بجرد بيبلويوغرافي لأعمال عبد الصمد الديالمي التي غطت ثلاث لغات (الفرنسية، الإنجليزية، والعربية)، لسبب موضوعي بسيط، وهو أنها أعمال مستمرة في الزمان والمكان -والمجال، وسيكون من اللاديونطولوجي بترها من السياق العام للمشروع الجنساني للدكتور الديالمي[1]، الذي مازال وفيا لنهج البحث العلمي والتكوين الأكاديمي الملتزم للطلبة الباحثين، حيث أن ثيمات الجنس والجنسانية الإسلاموية والمرأة، لا تزال حجر الزاوية في مختلف أعمال الديالمي، استنادا إلى ترابط موضوعاتي يسعى لفهم الظاهرة الجنسانية وتجاوز الأحكام القيمة حولها.

-7-

ومن جديد أستحضر شذرات من الذاكرة الموضوعية، التي تكتنز لحظات سوسيولوجية جمعتنا ب"شيخ الجنسانية العربية"، على هامش دراسة ميدانية حول تصورات المراهقين للحياة الجنسية[2]، والذي لم يذخر أدنى جهد للمساعدة الابستيمولوجية والدعم المعنوي والتنبيه الديونطولوجي حول خصوصيات البحث الاجتماعي الجنساني داخل مجتمع لازال لم يستسغ الشرط الموضوعي لعمل الباحث الاجتماعي والإنساني.

-8-

ونقف بهذه المناسبة- بعد تردد طويل[3]- لحظة إجلال وتقدير سوسيولوجي وسكسولوجي أمام هذا العالم البراكسيولوجي، الذي احتك بخبايا الظاهرة واستطاع "اختراق" الأعراف والتقاليد بقلم الباحث الموضوعي والملتزم والمزعج –على الشاكلة البورديوية والباسكونية- ومؤطرا برهان الشرط الموضوعي لفهم البنية الاجتماعية للنسق الجنساني العربي.

-9-

لن نتسرع في الحكم –موضوعيا- إذا قلنا أن عبد الصمد الديالمي استطاع أن "يخترق" مختلف الطابوهات المجتمعية، دون "استسلام" لرهانات الفاعلين السياسيين والثقافيين والاسلامويين بالمجتمع العربي. عبر "مخاطرة" موضوعية هدفها الرقي بالبحث الاجتماعي العربي نحو العالمية، وربط المجتمع العربي برهان الفهم العلمي لظواهره، في إطار رسم مسارات التنمية البشرية والتنمية المستدامة. لذلك لم "يخنع" لمختلف العراقيل الذاتية والموضوعية التي اعترت مسارات بحثه الطويلة، واستطاع تحويلها إلى حوافز شرطية لاختراق الفضاءات "المحرمة"-طابوهاتيا- على البحوث الاجتماعية في الثقافة العربية.

"المغرب [اليوم] يعرف مرحلة انتقال جنسي تتميز بكون المعايير الجنسية محافظة اسلاموية والسلوكات متقدمة ومنفتحة" عبد الصمد الديالمي.

-10-

لقد استطاع الديالمي بحسه السوسيولوجي أن يخترق عوالم الممكن والوجودي والمعيش بالفضاء الاجتماعي والثقافي المغربي من جهة، والمجتمع العربي من جهة أخرى، وأن يوفق في بحثه –ابستيميا- بين الموضوعية الوضعية الدوركايمية، والتفهمية السوسيولوجية الفيبرية، والالتزام البنيوي-البنائي البورديوي، محاولا رفع منطق الهيمنة النوعية على الظاهرة الجنسانية من طرف النزعات "الفرويدية"، ووضع اللمسة السوسيولوجية على ظاهرة تنتج اجتماعيا وثقافيا قبل أن تستبطن نفسانيا، وتشكل الرهان الموضوعي للمجتمعات البطريركية، وتتخفى داخل منطق الهيمنة الذكورية، رغبة –ثقافية- في حصر الجنس في طابوا المحظور والخفي.

-11-

إن الاعتراف بإسهامات الديالمي في مسار دراسة الظاهرة الجنسانية بالمجتمعات العربية، إشادة موضوعية بنجاح مسعى العلوم الاجتماعية في اختراق البنية التقليدانية للمجتمعات العربية الرافضة لكل فحص ودراسة انعكاسية وكل نقد ذاتي وموضوعي بناء. إنه أيضا اعتراف بتجاوز جدلية الكم والكيف في العلوم الاجتماعية والجنسانية.

-12-

وفي الختام، وعلى "نغمات" الدرس البورديوي الذي استطاع –الديالمي- بلورته داخل حقل الدراسات الجنسانية، سعى نحو إحياء الإرث الباسكوني الملتزم الرامي لجعل العالم الاجتماعي في خدمة المجتمع وخدمة مطمح السوسيولوجيا الموضوعية، الخالية من رهانات السلطة المخزنية والمتمردة على التقليدانية السياسية في التعامل مع الباحث الاجتماعي.

-13-

23/01/2015

بمناسبة الذكرى الثالثة عشر لرحيل بيير بورديو.

لقد بصم الديالمي بخطى ثابتة وحس موضوعي ملتزم مسار تطور السوسيولوجيا المغربية، من أبواب "السوسيولوجيا الجنسانية" الخفية، ليضع لنفسه اسما "بدون أعضاء"، ورمزا مغناطيسا، كأبرز سوسيولوجي عربي استطاع بلورة درس من الدرس السوسيولوجي بكل انعكاسية ذاتية وموضوعية، ليستحق بذلك لقب السوسيولوجي الملتزم والمزعج وشيخ "البحث الجنساني العربي" بكل جدارة معرفية واستحقاق ابستيمولوجي.

* - جاءت هذه الورقة – بعد تردد طويل- على هامش فعاليات المنتدى الخامس للفكر السوسيولوجي بالمغرب، حيث نظمت جمعية "أصدقاء السوسيولوجيا" حفل تكريم للسوسيولوجي المغربي الدكتور عبد الصمد الديالمي يوم السبت 22 ابريل 2014 بقاعات الندوات فندق دريم بتطوان.

** - mohamed-20x@hotmail.com

[1] - ستكون هذه دعوى عامة للقيام بدراسات بيبلوغرافية وابستيمولوجية لجرد وتصنيف أعمال عبد الصمد الديالمي في إطار البحث الجينالوجي عن تاريخية الأعمال العلمية المهتمة بالظاهرة الجنساينة العربية خلال القرن العشرن ومطلع القرن الحادي والعشرين،

[2] - الإدريسي، محمد (2014)، تصورات المراهقين للحياة الجنسية: ملاحظات حول التنمية الجنسانية المغربية المعاصرة، مجلة اضافات (المجلة العربية لعلم الاجتماع)، العددين 26-27، بيروت لبنان، ص: 224-233.

[3] - ترددت لعدة شهور حول الكتابة والاعتراف بإسهام عبد الصمد الديالمي في مسار البحث السوسيولوجي العربي، إلى حين تكوين متن ابستيمولوجي واكسيولوجي وافي حول هذا الباحث، استنادا إلى من عايشوه وطبع مسارهم المهني والأكاديمي والشخصي الطويل.

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
31 octobre 2015 6 31 /10 /octobre /2015 12:59

دكتور الديالمي، لنبدأ هذا الحوار بسؤال عن تراجع دور المثقف في التأثير في ما يجري من حوله. كيف ترى هذا الدور في السياق المغربي الراهن؟

ليس للمثقف تأثير مباشر على ما يجري حوله. تأثيره يمر عبر وساطات، أساسا وساطة الأحزاب السياسية، ووسائل إعلام. أما كتاباته ومحاضراته فتأثيرها محدود ولو في المجتمعات القارئة والمتابعة للأحداث الثقافية. في المغرب، ارتبط مفهوم المثقف (الملتزم بقضية والمدافع عنها رغم كل المخاطر) باليسار، بالدفاع عن المساواة والحرية، بالدفاع عن الجماهير الشعبية. بتعبير آخر، كان النظام السياسي استبداديا، وكان المثقف جزء لا يتجزأ من المعارضة السياسية، بل كانت المعارضة السياسية تعبر عن نفسها من خلال الفعل الثقافي، في الكتابة بكل أشكالها. وذلك رغم القمع الذي كان مسلطا على المعارضة بكل أشكالها، السياسية والثقافية. اليوم، تراجع اليسار على الصعيد الدولي منذ انهيار جدار برلين ومنذ تحلل المعسكر الشيوعي. وتراجع اليسار المغربي بفعل الانشقاقات التدريجية التي حصلت داخل "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" وبفعل مساهمته في مسلسل ديمقراطي شكلي أدي به إلى المشاركة في "حكومة جطو". في تلك المشاركة خيانة للمنهجية الديمقراطية من طرفه (أيضا). وأخيرا مساهمة "حزب التقدم والاشتراكية" في حكومة يقودها إسلامويون تعني أن اللعبة السياسية انتصرت على المرجعية الفكرية، فانمحت مثل اليسار العليا أمام مصالح سياسوية ضيقة لا أفق استراتيجي لها. تراجع اليسار هذا إعلان عن موت اليوتوبيا، أي عن فقدان الإيمان بمستقبل أفضل. إنه فوز ليبرالية جديدة وحشية لا تؤمن بمصالح الجماهير الشعبية، فوز يقضي على الحلم، وعلى الوعد. في هذا السياق، تحول المثقف نفسه إلى إنسان يبحث عن منصب سياسي لكي يستفيد من اقتسام الكعكة، وفي أحسن الأحوال أصبح خبيرا مستشارا يساهم في بلورة السياسات العمومية، أي في فعل تدبير الوضع الاجتماعي والسياسي القائم من أجل تحسينه (وليس تثويره). وهنا فقد المثقف وظيفته النقدية الجذرية. من الممكن القول أن ما يسمى بالمجتمع المدني، خصوصا الجمعيات الحقوقية والنسائية، أصبح يضطلع اليوم بمهمة التنديد والمطالبة، فهو اليوم بمثابة البديل الذي عوض المثقف. في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن كل جمعية تتخصص في موضوع معين، فيتمركز ملفها المطلبي على موضوع معين، وهو الشيء الذي نجده عند بعض المثقفين أيضا الذين يتخصصون في الدفاع عن قضية رئيسية واحدة. أيضا، لا بد من الإشارة إلى دور الشبكات الاجتماعية الإنترنيتية في التعبير وفي التعبئة. إن الليبرالية الجديدة التي تتماشى مع المد الإسلاموي المعتدل الممخزن قضت على الحاجة الاجتماعية والسياسية إلى مثقف يناضل انطلاقا من مرجعية يسارية توظف مصطلحات الصراع الطبقي والاستغلال.

لماذا المغاربة عدوانيون فيما بينهم على الطريق وفي الشارع وداخل بيوتهم، متوددون حد التملق للأجنبي؟

من سمات الثقافة المغربية المعاصرة، ميلها إلى العنف اليومي، نظرا للاكتظاظ السكني والسكاني، ولكبر حجم المدن وغياب علاقات اجتماعية حقيقية وحميمية، ولتراجع علاقات الجوار والحي. إلى جانب هذه العوامل هناك غياب تربية مدنية تجعل من المغربي إنسانا محترما للآخر. لماذا لا يحترم المغربي المغربي الآخر؟ لأنه لا يحب نفسه (كما سبقت أن كتبت سنة 2009)، وهو لا يحب نفسه كمغربي لأنه يعرف بشكل عام أنه أناني، كاذب، منافق، دون كلمة، انتهازي، متملق، راش ومرتش، خنوع. إنه لا يحب نفسه لأنه لا يحب هذه الصفات في ذاته. طبعا، يسقط المغربي كل هذه الصفات اللأخلاقية على الآخرين، على كل مغربي مغربي، فلا يحترم ولا يثق أحدا لأنه لا يحترم نفسه ولا يثق فيها. لماذا أصبح المغربي على هذا الشكل؟ لأنه ضحية/نتاج سياسات عمومية تطالبه بالقيام بواجباته دون أن تمنحه حقوقه الأساسية في التعليم والصحة والشغل والسكن والتغذية. إنها تعامله باحتقار دون اعتبار لكرامته ولمواطنته وتدفعه إلى شراء أبسط حقوقه بفضل الإرشاء أو الوساطات (العائلية، القبلية، الجهوية، المخزنية، الحزبية، النقابية...). هذا ما يفسر عدوانية المغاربة تجاه بعضهم البعض، إنها حرب أهلية في الطرق، في كل الطرق، المادية والرمزية، في كل الأوضاع، وفي كل الوضعيات. تجاه الأجنبي (القادم من الشمال) سلوك آخر، سلوك احترام وتقدير تجاه مواطن ذي كرامة وذي مواطنة تحميها دولة، سلوك تودد تجاه إنسان مستقيم أخلاقيا، بفضل علاقات جنسية رضائية ورغم احتساء الخمر أيضا، ورغم لا تدينه أو بفضل تدينه الحر، ورغم انتماءه لدولة علمانية. وفي بعض الحالات تودد مصلحي منفعي انتظارا لخدمة ما، أو تودد لتقديم صورة وهمية عن المغرب كبلد مضياف، أو بكل بساطة عقدة الآخر المتفوق في كل المجالات دون استثناء، بما فيها الدينية والروحية.

من منظورك كعالم اجتماع، كيف نقرأ ارتفاع منسوب العنف بأشكاله المختلفة، مع ما يرافقه من انتشار كبير ومخيف للجريمة العنيفة والمروعة في المجتمع؟

في نظري، هناك ثلاثة عوامل رئيسية تفسر ارتفاع السلوك الجرمي في المغرب هي الحرمان، تقهقر التربية الأخلاقية وهيمنة ثقافة العنف. إن الحرمان المادي والعاطفي هو المحرك الأساسي لعدوانية تصل إلى حد الجريمة. فالعنف المروع والوحشي الذي يميز بعض الجرائم يمكن أن يؤشر على شخصية مريضة غير سوية تحتاج إلى علاج نفسي، لكنه يحيل أيضا وفي معظم الأحيان إلى شدة الحرمان وإلى الحاجة إلى تفريغ وحشي كلي. إنه، أي العنف الوحشي، رسالة إلى مجتمع وإلى دولة غير عادلين، وإلى أسر أصبحت تفرط في رسالتها الأخلاقية لتركز على تربية دينية شكلية لا مبادئ ولا قيم ولا روح فيها. وأصبحت الثقافة الإسلامية السائدة نفسها ثقافة عنيفة، ثقافة تنادي بالعنف وتأمر به من خلال تعزير المسلمين "الفساق" أو إباحة دماء المسلمين "المرتدين"، كما أن هناك نماذج عنف تستقى من أفلام أجنبية تقدم جرائم بشعة للمشاهد. وهي مشاهد تجد صدى في نفسية البعض فتلهم سلوكات عنيفة ووحشية.

في سياق تنامي الانحراف الاجتماعي دائما، يسجل المتتبع تناميا لمستوى الجريمة الجنسية، خصوصا منها حالات الاغتصاب في حق الفئات الاجتماعية الأضعف (أطفال، عجائز، ذوي الاحتياجات الخاصة).. ما الذي يغذي هذا النزوع الغرائزي المنحرف؟

إن الفئات المذكورة في سؤالك هي الفئات الأضعف، أي تلك التي لا تستطيع المقاومة أو التصريح بالاغتصاب. وهذا ما يشجع على استهدافها. ويعني ذلك أن استهداف هذه الفئات لا يعني بالضرورة وفي معظم الحالات انحرافا جنسيا، وإنما بحثا عن متعة سهلة وسريعة، أي عن إفراغ طاقة جنسية حارقة عاجزة عن الانتظار. فالحرمان الجنسي يوصل صاحبه إلى الخضوع المطلق لمبدأ اللذة من خلال استهداف أشخاص ذي هشاشة (عمرية، جسدية أو ذهنية) من أجل قضاء حاجته دون مقاومة ومع مخاطر متابعة أقل. لا ينبغي أن تخفي ظاهرة اغتصاب الفئات الهشة ظاهرة اغتصاب الفتيات والنساء (وهي الظاهرة الأكثر انتشارا وتكرارا)، ومن ضمن هؤلاء النساء المتزوجات اللاتي يرغمن على ممارسة الجنس دون رغبة منهن أو في أعضاء معينة من جسدهن. فالظاهرة التي ينبغي أن تثير اهتمامنا أكثر، واشمئزازنا، هي اغتصاب الفتيات والنساء لمجرد وجودهن في الشارع العام دون حجاب. في إطار بحث أنجزته حول "إشراك الرجال والفتيان في محاربة العنف ضد النساء"، قال لي أحد المبحوثين في تمارة: "إذا صادفت في الحادية عشرة ليلا فتاة ترتدي تنورة قصيرة، فمن حقي اغتصابها". هذا "الرجل" يعتبر الاغتصاب حقا وفعلا تربويا يعلم الفتاة ألا تخرج وحدها ليلا بلباس مثير. إنها قمة الأخلاق الأبيسية الذكورية التي تعكس في الواقع مجتمعا مغربيا مختلا جنسيا. معظم الاختلالات الجنسية ذات طابع اجتماعي، وليس نفسي. "الحل" السائد الذي يقدمه ذلك المجتمع على الحرمان الجنسي (البنيوي) هو الاعتداء الجنسي على الفئات الهشة، وعلى رأسها الفتيات والنساء. يكمن الحل الحقيقي في إباحة علاقات جنسية رضائية. وأيضا في إعطاء المغاربة تربية جنسية تقوم على تكريس الرضا المتبادل الحر كشرط أساسي في كل علاقة جنسية إنسانية حقيقية وعلى حماية الجنس من خطري الأمراض والحمل غير المقصود. وطبعا، ينبغي مراجعة القانون الجنائي مراجعة جذرية أو سن قانون خاص لمحاربة (كل) أشكال العنف ضد النساء، بدء من تسهيل تسجيل الشكاية إلى تشديد العقوبة مرورا بتسهيل وسائل الإثبات.

طيب، لننتقل إلى موضوع راهن أنفقتَ في دراسته وقتا وجهدا كبيرين، وأقصد موضوع الدين بإشكالاته الكثيرة، ولنبدأ بأكثرها ضغطا على واقعنا الراهن أي الإرهاب... ففي كتابك الصادر قبل عشرين عاما "السكن، والجنس والإسلام"، بلورت من خلال دراسة ميدانية طروحات مثيرة للدهشة، من قبيل أن مدينة غير فعالة جنسيا بالنسبة للفرد المغربي هي مدينة منتجة للتطرف. كيف ذلك؟

بالفعل. لنأخذ مثالاً بسيطاً من كتابي "السكن، الجنس والإسلام": حين يجعل النظام أُسَراً كثيرةً تعيش في منازل ضَيِّقَة، بل ويجعل كل أفراد الأسرة يعيشون في غرفة واحدة أو في غرفتين، وينامون كلهم في غرفة واحدة أو في غرفتين، أي في منزل دون حيطان، دون فارق فيزيقي بين الجنسين، فإنه يدفع تلك الأسرةإلى تبني أخلاقيات جنسية مُتَشدِّدَة، في فضاءها الخاص. وفي الفضاء العام أيضا، حين يرى الرجل فتاةً لابسةً بشكل حداثي وتتصرف كمواطِنَة حُرَّة في لباسها، يرى في ذلك أن سيادته الرجولية وامتلاكه للفضاء العام قد أصبحا مهددين، فيذكرها بسيادته عن طريق الاعتداء الجنسي بكل أشكاله (من التحرش إلى الاغتصاب). ويذكر المرأة أنها "عَوْرَةً" وأن عليها أن تستر جسدها وأن ترجع إلى البيت لتصير شيئاً يمكنه أن يتصَرّف فيه كما يشاء. بتعبير آخر، يوظف رجل الشارع الإسلام لكي يمدد سيطرته الرجولية التي فقدت أسسها الاقتصادية بشكل لا يستهان به. فهو لم يستوعب بعد أن الشارع العام هو من حق كل المواطنين، بغض النظر عن كونهم نساء أو رجالاً. لم يهضم بعد أن المرأة سيدة جسدها، كما لم يهضم بعد فكرة المساواة بين الرجل والمرأة. كل تواجد للمرأة في الفضاء العام، في المقهى، في الحافلة وفي الشاطيء يعتبره الرجل استفزازاً له، وبالتالي يعنفها عليه بشكل من الأشكال، ويري أن تعنيفه لها مجرد رد فعل على الاستفزاز، أو يُطالِب بالفصل بين الجنسين، وبالحجاب أو بالنقاب أو بحجز المرأة في البيت. كل ذلك وقوع في منظور إسلاموي سلفي راديكالي للمرأة. منظور يحاول بفضله المسلم المقهور اقتصاديا وثقافيا أن يضع حدا لعجزه الحداثي عن إخضاع المرأة. إنه وقوف في طريق ولادة المرأة المتحرَّرة من قيود الأبيسية الذكورية.

من الخلاصات الأخرى المثيرة التي تضمنها كتابك (السكن، والجنس والإسلام)، أن سكن أسرة من ستة أفراد لا ينبغي أن تقل مساحته عن 90 مترا مربعا التي اعتبرتها حدا أدنى. فإذا أخذنا في الاعتبار بأن مساحة ما يسمى "السكن الاجتماعي" باتت تقل عن 50 مترا مربعا في هوامش الحواضر الكبرى، ما تأثير ذلك على الوضع الاجتماعي؟

تأثير ذلك هو إنتاج الشخصية المريضة المهتزة نفسيا أو الشخصية المتطرفة التي تستقطب لا حقا من طرف الحركات الإسلامية الراديكالية الإرهابية. فالاكتظاظ السكني يبلغ في بعض الأحيان عتبة مرَضِية تجعل الأفراد يعيشون أزمات نفسية خانقة. إن السكن عامل من عوامل تحقيق الرضا الجنسي، فإن لم يقم السكن بتلك الوظيفة أحسن قيام، فإنه يتحول إلى عامل حرمان جنسي يؤدي على الأقل إلى العدوانية اليومية ضد الآخرين، أو إلى الاعتداء الجنسي على الفئات الهشة، أو إلى الإرهاب في "تفجير الذات"/استشهاد، وفي ذلك إرادة "الحريك نحو الجنة" حيث الحوريات في انتظار الشهداء" (كما كتبت سنة 2003 بعد تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية).

بالعودة إلى موضوع الدين وإشكالاته الراهنة، أنت ترى في الحداثة تحقيقا لأسمى القيم القرآنية. كيف للحداثة أن تكون انعكاسا لقيم دينية؟

من الممكن أن نقرأ الشريعة كنظرية لا تمييزية ومساواتية بين الجنسين. هذه القراءة تنطلق من أطروحة حياد الشريعة ومن الاعتراف بكل المكونات التاريخية للإسلام في تعريف الإسلام. هذه المكونات رمزية مثل الفقه والتصوف، الفلسفة والعلوم والآداب، وهي أيضا مادية مثل الفنون والمعمار... كل هذه المكونات التي تفوق فيها العالم الإسلامي لقرون طويلة ساهمت بشكل كبير في بناء الحداثة. أن يعترف الفقه (رغم ذكوريته) بالمرأة كشخصية قانونية لها حقوق التملك والمتعة الجنسية، أن يعترف التصوف للمرأة بالولاية والمشيخة، أن تطالب الفلسفة الرشدية بالمساواة في الحقوق المدنية بين المرأة والرجل، أن تحضر المرأة بشكل لافت في حقلي الآداب والفنون، أن يضع المسلمون أسس علمي الجبر والبصريات، أن يشكل الطب الإسلامي منطلقا للطب الحديث، كل ذلك يؤشر على عطاء الإسلام في بناء الحداثة. فلماذا ننكر حقنا في صنع الحداثة؟ إن الحداثة مولود كل التاريخ البشري، ولا يجـوز أبدا أن نخلط بين الحداثة والغرب وأن نجعل من الحداثة نتاجا وملكا للغرب وحده. صحيح أن الغرب هو المحرك الراهن للحداثة، لكن ذلك لا يعني أبدا أن الحداثة نتيجة لتطوره الذاتي الخاص ولتاريخه المستقل. لا وجود لتاريخ مستقل. إن التاريخ الإسلامي لبنة ومحطة أساسية في تاريخ بناء الحداثة. إن الحداثة تاريخ وليست هوية أو جوهرا ما فوق التاريخ. ولا ينبغي أيضا أن يقودنا الاستعمال الغربي السيئ للحداثة إلى النفور منها وإلى الشك في عالميتها كمشروع حضاري. فالحداثة تحقق أسمى القيم القرآنية وهي العدل والمساواة من خلال القضاء على العبودية وعدم التمييز في الحقوق بين المواطنين، بين المرأة والرجل كمواطنين. إن الحداثة علمنة للقيم الدينية الإيجابية وتنظيمها بشكل مؤسساتي مستقل عن إيمان الأفراد.

في السياق ذاته، تعتبر بأن عدم عدم اجتهاد رجل الدين في تدبير النصوص المرجعية، بما يراعي تطور أوضاع المجتمع الإسلامي عبر العصور يعرض الأمة لأخطار كارثية... كيف تتصور مثلا أن يبلغ سقف هذا الاجتهاد مثلا، في موضوع شائك كإراثة النساء؟

لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه، والإجابة عنه بسيطة يعرفها الكل. اللامساواة بين الأخ والأخت في الميراث ترجع إلى أن الأخت، والمرأة بصفة عامة، غير مكلفة بالنفقة، فنفقتها على زوجها. هذا شيء لا يزال مستمرا إلى اليوم في النص القانوني (مدونة الأسرة)، لكن الواقع يشهد أن المرأة تساهم في النفقة من خلال نشاطها المنزلي والتربوي أو من خلال دخلها من عمل خارج المنزل. من هنا تبرز ضرورة الاجتهاد ليس فقط في تأويل الآية، بل أيضا في تغيير قواعد الاجتهاد كما وضعها كل من الشافعي والبصري والجويني والغزالي. ويمكن حصر روح تلك القواعد في التفسير اللغوي للنصوص والقياس عليها. هل نحن مضطرون لمراعاة تلك القواعد كما وضعها هؤلاء الفقهاء انطلاقا من مناهج معينة وبالرجوع إلى نموذج أسري أبيسي لا يعترف بمردودية المرأة ولا يشركها مناصفة في الإنفاق الأسري؟ ماذا تعني جوهرة تلك القواعد؟ وماذا تعني إرادة جوهرتها اليوم؟ أليست لنا اليوم مناهج معرفية أكثر علمية؟ إن المشاركة النسوية الفعلية والعملية في الإنفاق الأسري تحتم علينا اليوم تقييم النص القرآني انطلاقا من أسباب نزوله، وأن نجعل العبرة لا في عمومية اللفظ وإنما في خصوصية السبب. فإذا زال سبب نزول النص، زالت ضرورة العمل به. إنها إحدى القواعد التي اقترحتها منذ سنة 2000 في إطار وضع شروط جديدة لاجتهاد (نسائي) جديد. وقد اقترحت خمس قواعد كبيرة هي: تسييد الرأي النسائي المساواتي بالنظر إلى عقلانيته (ورغم أقليته الإحصائية)، ما بين-تخصصية الفعل التشريعي، ظنية المعاملات، الاجتهاد الجدلي مع النص، التحرر المذهبي. أود هنا التركيز على اقتراحي الثالث: إن الآية المتعلقة بالتمييز في الإرث بين الأخ والأخت يجب أن نعتبرها منتمية إلى حقل المعاملات وأن نعتبر حقل المعاملات ظنيا بأكمله. فحقل المعاملات حقل المتغير الإسلامي بامتياز. إذا كانت العقائد والعبادات ثابتة وغير متأثرة بتغير الظروف التاريخية والاجتماعية، فإن المعاملات هي الحقل الذي يعبر من خلاله كل مجتمع إسلامي عن خصوصيته التاريخية وعن مصالحه المرسلة التي لا يمكن أن تجمد بفضل تفسير/تأويل واحد لنص قرآني. ويكفي من أجل اعتبار حقل المعاملات حقلا ظنيا ألا نتصرف في النص انطلاقا من "عمومية اللفظ" وإنما من "خصوصية السبب"، بمعنى أننا حين نواجه نصا تمييزيا، نُعْمِل مبدأ "خصوصية السبب" لتعليق العمل به وللقول أنه لم يعد مطابقا لا للواقع المعاصر ولا لمقاصد الشريعة. ويعني هذا الاقتراح التخلي عن القاعدة القائلة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". إن الربح الأساسي من أطروحة ظنية المعاملات ألا نحتفظ بالشريعة كآلية نُخضِع بفضلها المرأة لامتيازات الرجل وسلطته.

تقول بأن أسس كل من الذكورية والنسائية موجودة في القرآن والسنة، وأن هيمنة الذكورية في المجتمعات الاسلامية إنما مردها إلى اجتهادات ذكورية لأئمة المسلمين لا إلى النصوص المرجعية...

إن اعتبار الشريعة في ذاتها قولا محايدا يمكنها من أن تكون قابلة للدفاع عن اتجاهين يبدوان متناقضين إذا لم نعمل الحس التاريخي. فالانتقال من العدل/الإنصاف بمفهومه اللفظي التمييزي إلى المساواة بمفهومها المقاصدي ليس تناقضا داخليا في الشريعة وإنما تحيينا تاريخيا ملائما لها. تلك أطروحتي. ففي فترات معينة، يشكل التمييز وجها للعدل وتلك قراءة أبيسية للشريعة لها مشروعية انطلاقا من أبيسية المجتمع. في الوقت الراهن، يتوجب إحقاق عدم التمييز في الحقوق لأن القراءة الملائمة والمشروعة تصبح تلك التي تأخذ بعين الاعتبار الوضع الجديد للمرأة وللأسرة في المجتمع الإسلامي الحديث الذي يسير نحو المساواة. من هنا، يتبين لنا أن أسس التمييز موجودة في القرآن والسنة وأن أسس اللاتمييز موجودة في القرآن والسنة أيضا. وبالتالي يغدو موقف الشريعة من المرأة قضية إرادة وقضية قراءة. صحيح أن النزعة الذكورية هيمنت على تاريخ الفعل الفقهي وعلى لاشعوره. لكن إلى جانب هذه النزعة التمييزية التي بلورها تاريخ الفقه الإسلامي انطلاقا من مقاربة لفظية للقرآن، توجد في القرآن آيات تدعو إلى مساواة لا تمييزية، وهو ما يجب تسميته نسائية قرآنية. وانطلاقا من أساس قرآني مفاده أن العلاقة بين الزوجين علاقة مودة ورحمة ولباس متبادل، انتهى التصوف إلى أن التوحد مع/وفي الذات الإلهية من خلال المعراج الصوفي يرمز إلى دعوة لتجاوز الفروق الجنسية في مسيرة الحب والمعرفة، في مسيرة الحقيقة. لكن الفقه بشكل عام لم يأخذ بعين الاعتبار قيم المودة والرحمة في تشريعه للعلاقات الزوجية، وإنما تركها مجرد قيم أخلاقية وإنسانية لا تحظى بامتياز الإلزام الشرعي.

لماذا لم يحرر خروج المرأة بكثافة إلى العمل وإعالتها لأسرتيها الكبيرة والصغيرة من النظرة المحافظة إليها؟

في مغرب اليوم، النموذج الأسري الغالب إحصائيا، والمهمش فقهيا في صياغة قانون الأسرة، هو نموذج الأسرة النووية. داخل هذا النموذج، نجد نساء جديدات مالكات لقوة عمل فكرية أو يدوية في سوق عمل أصبحت عاجزة عن الاستغناء عنهن... أوضاع وأدوار نسوية جديدة، فاعلة في الاقتصاد المنزلي وفي الاقتصاد الوطني العام. داخل هذا النموذج، تساهم الزوجة عمليا في النفقة بشكل اضطراري أوضح نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة، بل تقوم لوحدها بإعالة الأسرة في حالات كثيرة وفي تكاثر. رغم المشاركة الاقتصادية للمرأة، تستمر النظرة الذكورية الدونية للمرأة بالنظر إلى تجدر الصورة السلبية التي كرسها الفقهاء باسم بعض الآيات والأحاديث في اللاشعور الجمعي. ثم إن عمل المرأة خارج البيت يعتبر شرا لا بد منه وليس حقا من حقوق المرأة أو وضعا سليما وأسلم من حيث ضرورة التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية. على العكس من ذلك، لا يزال الكثير من المغاربة يرون في عمل المرأة خارج البيت أمرا شاذا من جهة (لأنه مخالف "لطبيعتها الأنثوية" التي لا تسمح لها بمنافسة الرجل في سوق الشغل)، ولا يعني البتة عاملا لتحررها أو لاقتسامها صنع القرار داخل البيت وخارجه. إن المشاركة النسوية في الإنفاق الأسري عامل ضروري في تغيير النظرة إلى المرأة وفي صيرورة تحررها، لكنه عامل غير كاف لأنه يحتاج إلى وعي جديد، ذلك الوعي الذي لا ينبثق بشكل آلي من العمل المأجور خارج البيت. فالوعي ليس مرآة ميكانيكية للاقتصاد. الأخطر من ذلك أن بعض النساء، بالنظر إلى عملهن المضني خارج البيت وصعوبة التوفيق بين العمل خارج البيت والواجبات المنزلية (وهو تحد يطرح على المرأة وحدها)، يعتقدن أن مكانهن الطبيعي هو البيت وأن نشاطهن الاجتماعي ينبغي أن يظل استمرار لنشاطهن البيولوجي (إرضاء الزوج جنسيا، خدمته في البيت، حمل، إنجاب، تربية أطفال).

منذ 2007، بنيتم نطرية "الانتقال الجنسي"، ما مفادها؟

تقوم نظرية الانتقال الجنسي على التقابل بين المعايير الجنسية من جهة والسلوكات الجنسية من جهة أخرى. داخلها، أميز بين مراحل ثلاث. في المرحلة الأولي، هناك استمرارية بين دينية المعايير الجنسية ودينية السلوكات الجنسية. هناك تطابق بين الاثنين، بمعنى أن السلوكات الجنسية في معظمها سلوكات شرعية تقع في إطار الزواج. في المرحلة الثانية، نجد قطيعة بين المعايير الجنسية والسلوكات الجنسية: تستمر دينية المعايير الجنسية (بلأساس تحريم الجنس خارج الزواج) مع ظهور سلوكات جنسية محرمة فيقع ما سميته الانفجار الجنسي، أي تكاثر السلوكات الجنسية قبل الزواج وخارجه. هنا يحصل تعلمن سلوكي للجنس دون تعلمنه المعياري. نحن اليوم في المغرب في خضم هذه المرحلة الثانية الانتقالية ولم نبلغ بعد المرحلة الثالثة. تتميز هذه الأخيرة بتطابق بين السلوك جنسي والمعيار الجنسي على أساس آخر، علماني، بمعنى أن المعايير الجنسية العمومية والسلوكات الجنسية تستقل كلها عن الدين، ولا يبقي الدين هو منظم الجنس، معيارا وممارسة (بالنسبة للدولة طبعا). في هذه المرحلة التي بلغتها مجتمعات أوربا مثلا، المعيار هو أن الجنس حق إنساني شرعي قبل الزواج شرطه الوحيد التراضي بين الطرفين. في إطار هذه المرحلة، للمواطن الحق في تنظيم حياته الجنسية حسب معاييره الدينية، لكن ليس له الحق في فرض معاييره الدينية على الآخرين من خلال نضال ديني-سياسي قصد تحويلها إلى قوانين عمومية. أود أن أشير إلى أنني وضعت نظرية الانتقال الجنسي لاجتناب بعض المصطلحات التي تصف المرحلة الثانية التي نحن فيها على أنها سكيزوفرينا (وهذا مرض عقلي فردي وليس تعبيرا علميا عن حالة اجتماعية)، أو كنفاق (وهذا حكم أخلاقي). أردت أيضا اجتناب المصطلحات الإسلاموية التي ترى في الانفجار الجنسي الراهن عودة إلى الجاهلية (عند الإسلامويين المتطرفين) أو فتنة (عند عبد السلام ياسين مثلا) أو انحرافا (عند المندمجين من الإسلامويين في اللعب السياسي). وأنشأت أيضا مفهوم الانفجار الجنسي وأقصد به تفجير الزواج كإطار أوحد للجنس، ورأيت أن الانفجار الجنسي بهذا المعنى يشكل البعد الواصف بامتياز للمرحلة الثانية المؤسسة كمكون لنظرية الانتقال الجنسي. أنشات مفهوم الانفجار الجنسي وأنشات نظرية الانتفال الجنسي كأدوات سوسولوجية وصفية وتفسيرية في الوقت ذاته، غير متحيزة، تقول بأن الجنسانية المغربية في حالة تحول وتغير.

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
27 octobre 2015 2 27 /10 /octobre /2015 12:51

إن الإنصاف/النصف، وهو السقف الذي ترفض البطريركية الفقهية تجاوزه، يقوم على قاعدتين أصوليتين رئيسيتين: "لا اجتهاد مع وجود النص"، "العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوصية السبب". القاعدة الأولى تقف عند المعنى الظاهر للنص وتجعل منه المعنى الأوحد فتجعل من الآية آية محكمة غير قابلة للتأويل (وهذا مضاد للدرس اللساني المعاصر الذي يقر أن المدلول أوفر من الدال). أما الثانية فتجعل من بعض المقتضيات القرآنية شريعة ما فوق التاريخ (وفي ذلك تحقير غير شرعي لأسباب النزول وللتغير اللاحق للأوضاع الاجتماعية والتاريخية).

وقد بينا فيما أعلاه أن الإنصاف/النصف هو من جهة "توصية" وليس أمرا ، ومن جهة ثانية أنه كان مقتضى ثوريا ونسائيا في القرن الأول من الهجرة لكنه أصبح اليوم غير كافي في مغرب ينشد التنمية والديمقراطية من خلال المساواة بين كل مواطنيه ومواطناته. من هنا يتضح أن الدعوة إلى الاجتهاد لن تكون ذات جدوى إلا إذا تمت إعادة النظر في شروط الاجتهاد وفي قواعده. وهذا ما أطالب به شخصيا بلا هوادة منذ سنة 1999 من بين اقتراحاتي الرئيسية في هذا الباب، والمنشورة ابتداء من تلك السنة: العمل بالنص الديني (في حلة وضعية) إذا لم يكن تمييزيا في الحقوق بين المرأة والرجل، أما إذا كان تمييزيا، فالاجتهاد فيه بفضل حتمية التعدد الدلالي أو تعليق العمل به بفضل الأخذ بخصوصية السبب (لأن أسباب نزوله، أي شرعيته، قد زالت).

من هذا التحليل، يتضح أن قراءة النص الديني قراءة موضوعية وملائمة تتطلب، بالإضافة إلى الفقيه، تدخل علماء آخرين، مثل عالم الاقتصاد والمؤرخ وعالم الاجتماع وعالم اللسانيات، على الأقل. من غير الشرعي إذن أن يحتكر الفقيه وحده التدبير العلمي للنص الديني.

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
24 octobre 2015 6 24 /10 /octobre /2015 16:04

د. عبد الصمد الديالمي: "المساواة الجندرية في الإرث، ضرورة تاريخية حتمية

"للذكر مثل حظ الأنثيين"، للأخ حظ الأختين، كان مقتضى منصفا في شروط اجتماعية وتاريخية معينة. فالأنثى التي ستصبح زوجة تستفيد من تكفل كامل من قبل زوجها، وهذا هو ما يبرر النصف الذي ترثه من تركة أبيها.

اليوم، من المعروف أن تربية الأطفال والأشغال المنزلية نشاط اقتصادي أنثوي بصفة كاملة، ومشاركة اقتصادية من طرف الزوجة في النفقة على بيت الزوجية. وفضلا عن هذه الأنشطة المدعاة “أنثوية“ إلى حد الآن، أصبحت الزوجة تتوفر، منذ حوالي قرن، على دخل بفضل نشاط اقتصادي مأجور يستهلك أيضا في الإنفاق على بيت الزوجية. وبالتالي لم يبق الزوج هو الممون الوحيد، فالزوجة أيضا ممونة الأسرة.

لذلك، ""للذكر مثل حظ الأنثيين" لم يبق حكما منصفا اليوم، إذ يجب أن يرث الإخوة والأخوات حصة متساوية. وأيضا، عندما تكون البنات هن الوارثات الوحيدات (في حالة انعدام الأخ) ،ينبغي أن يرثن التركة كلها (كما يفعل الإخوان حينما يكونون هم الوارثون الوحيدون، في حالة انعدام الأخت).

في نهاية التحليل، يتبن أن مقتضى "للذكر مثل حظ الأنثيين" مقتضى يعيد إنتاج اللامساواة الاقتصادية بين الرجال والنساء من نفس المرتبة (السلالية) ويديم تلك اللامساواة. فهو يحافظ على الهيمنة الاقتصادية للرجال. صحيح أن مساواة الرجال-النساء (في الحقوق ) لم تكن هدفا يتعين بلوغه، بل كان شيئا لا مفكرا فيه.

أما اليوم، فإن مساواة الرجال-النساء (في الحقوق) أصبحت مثلا أعلى، وهدفا ينبغي الوصول إليه، وشرطا للتنمية الاقتصادية. مرجع ذلك أن المجتمع المغربي في طور الخروج من استلابه، من سباته البطريركي. في هذا الإطار إذن، يغتصب مقتضى الإنصاف بين الإخوة والأخوات في الإرث مبدأ مساواة الرجال-النساء كحق إنساني أساسي وجوهري.

من خلال توصيته بالمساواة بين الإخوة والأخوات وبين والأولاد والبنات في الإرث، يدافع "المجلس الوطني لحقوق الإنسان" عن المبادئ الدستورية التي من أجلها أنشئ كمؤسسة دستورية، أي عن حقوق الإنسان، ومن بينها مبدأ المساواة الاقتصادية بين المواطنين بغض النظر عن جنسهم البيولوجي. وبالتالي، يمتلك "المجلس الوطني لحقوق الإنسان" الحق المطلق في طرح توصيته: من الواجب أن نكف عن إعادة إنتاج اللامساواة الاقتصادية بين الرجال والنساء باسم إنصاف غير منصف (اليوم)، والذي لم يكن أبدا منصفا.

اليوم يجب استبدال الإنصاف (بصفته مثلا بطريركيا أعلى) بالمساواة كمثل أعلى مضاد للتمييز الجنسي. إن تبني مساواة الرجال-النساء في الحقوق (كمثل أعلى)، بشكل صريح وواضح، شرط أساسي في الانتماء إلى مجتمع حداثي عادل وحر.

إن الإنصاف/النصف، وهو السقف الذي ترفض البطريركية الفقهية تجاوزه، يقوم على قاعدتين أصوليتين رئيسيتين: "لا اجتهاد مع وجود النص"، "العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوصية السبب". القاعدة الأولى تقف عند المعنى الظاهر للنص وتجعل منه المعنى الأوحد فتجعل من الآية آية محكمة غير قابلة للتأويل (وهذا مضاد للدرس اللساني المعاصر الذي يقر أن المدلول أوفر من الدال). أما الثانية فتجعل من بعض المقتضيات القرآنية شريعة ما فوق التاريخ (وفي ذلك تحقير غير شرعي لأسباب النزول وللتغير اللاحق للأوضاع الاجتماعية والتاريخية).

وقد بينا فيما أعلاه أن الإنصاف/النصف هو من جهة "توصية" وليس أمرا ، ومن جهة ثانية أنه كان مقتضى ثوريا ونسائيا في القرن الأول من الهجرة لكنه أصبح اليوم غير كافي في مغرب ينشد التنمية والديمقراطية من خلال المساواة بين كل مواطنيه ومواطناته. من هنا يتضح أن الدعوة إلى الاجتهاد لن تكون ذات جدوى إلا إذا تمت إعادة النظر في شروط الاجتهاد وفي قواعده. وهذا ما أطالب به شخصيا بلا هوادة منذ سنة 1999 من بين اقتراحاتي الرئيسية في هذا الباب، والمنشورة ابتداء من تلك السنة: العمل بالنص الديني (في حلة وضعية) إذا لم يكن تمييزيا في الحقوق بين المرأة والرجل، أما إذا كان تمييزيا، فالاجتهاد فيه بفضل حتمية التعدد الدلالي أو تعليق العمل به بفضل الأخذ بخصوصية السبب (لأن أسباب نزوله، أي شرعيته، قد زالت).

من هذا التحليل، يتضح أن قراءة النص الديني قراءة موضوعية وملائمة تتطلب، بالإضافة إلى الفقيه، تدخل علماء آخرين، مثل عالم الاقتصاد والمؤرخ وعالم الاجتماع وعالم اللسانيات، على الأقل. من غير الشرعي إذن أن يحتكر الفقيه وحده التدبير العلمي للنص الديني.

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
23 octobre 2015 5 23 /10 /octobre /2015 23:16

nterview accordée à Abdeslam Kadiri, Afrique Magazine, n° 357, octobre 2015

Affaire de la jupe d’Inezgane, lynchage d’un homosexuel… Comment expliquez-vous la résurgence des questions de mœurs qui ont secoué le pays ces derniers mois?

Ces affaires mettent en évidence la force de la morale sexuelle patriarcale qui consiste à réprimer les groupes sexuels dominés, femmes et homosexuels. Cette morale n’est pas pensée comme une morale initialement liée et produite par une aristocratie soucieuse de sa pureté, de sa reproduction, en un mot de sa sécurité généalogique. C’est une morale qui s’est universalisé, qui a été imposée à toutes les classes sociales, et qui n’a jamais disparu. Elle s’impose grâce à ce que les foqaha nomment le taazir, c'est-à-dire l’admonestation publique de celles et de ceux qui la transgressent à travers leur comportement vestimentaire et/ou sexuel. Les deux sont liés. Je ne pense pas que le taazir qui a eu lieu à Inzegane, Fès et Safi soit un phénomène spontané lié à des individus isolés porteurs d’une morale sexuelle patriarcale. Le contexte actuel, celui de la radicalisation de l’islam, est favorable à cette résurgence de la pratique du taazir. Mais désormais, le taazir échappe aux foqaha et aux juges traditionnels (cadis) : tout musulman ordinaire se sent aujourd’huin chargé de cette mission, celui de commander le bien, c'est-à-dire d’obliger les autres à respecter une morale sexuelle islamo-patriarcale. L’ordre sexuel public qui tend à se moderniser, à échapper à la morale sexiste et homophobe, est ainsi ciblé par des forces islamistes organisées ou informelles qui poussent, consciemment ou inconsciemment, les foules à agir, à réagir contre le « mal », contre la « débauche ». Heureusement, les pouvoirs publics ont réagi pour rappeler aux gens l’existence d’une loi qui interdit aux foules et aux individus d’intervenir, de pénaliser et de violenter eux-mêmes ceux qui ne se plient pas à la morale sexuelle patriarcale dans sa totalité.

Selon vous s’agit-il là de deux projets de société qui s’affrontent ? Ce clivage a-t-il toujours existé ?

Le projet d’une société marocaine moderne est mis en crise par un projet de société identitaire. Ce dernier tire sa force de la confusion qu’il établit entre Occident et modernité, et de la corrélation entre l’Occident injuste et la modernité immorale. La grande majorité des Marocains n’arrive pas encore à concevoir la sexualité totale (conjugale et non conjugale, hétéro et homo) comme un ordre moral nouveau fondé sur le respect des libertés individuelles et des droits humains fondamentaux. Encore faut-il que le droit pénal soit révisé dans ce sens par les pouvoirs afin de montrer aux Marocains qu’ils sont appelés à être des citoyens respectueux des différences. Etre marocain ne doit plus signifier être automatiquement musulman, et être musulman ne signifie plus être automatiquement défenseur d’une morale sexiste et homophobe. La loi doit être citoyenne afin de faciliter le chemin à suivre vers la citoyenneté.

Où se situe le cœur du problème d’après vous : social, politique, religieux ?

Le problème est à la fois social, politique et religieux. La société marocaine vit dans le sous-développement religieux dans la mesure où les gestionnaires politiques de la religion empêchent l’éclosion d’une modernité sexuelle religieuse, d’une religion libre, d’une religion à la carte. Il faut arriver à croire en Dieu et l’adorer et en même temps avoir le droit à la sexualité, à toute forme de sexualité non violente. A privatiser la religion, à en faire une affaire personnelle, à y puiser ce qu’on veut, et uniquement ce qu’on veut. La religion ne peut pas être un menu qu’on doit consommer dans son entièreté. Cet enjeu a été réalisé dans toutes les religions, à l’exception de l’islam. Pour la seule raison que l’islam seul est encore soit un instrument mis au service du pouvoir (politique), soit un instrument d’accès au pouvoir (politique),

Notre société reconnaît-elle l’individu ?

La naissance de l’individu est en cours. Elle s’observe principalement au sein des classes moyennes supérieures, au niveau des élites intellectuelles et/ou féminines-féministes. Au niveau des masses, le groupe prime encore à travers la famille et la tribu. Les structures secondaires elles-mêmes (partis politiques, syndicats et associations) n’arrivent pas encore à produire l’individu et reproduisent plus ou moins l’instinct grégaire sur des bases anté-modernes et antimodernes. En fait, tant que l’on n’est pas économiquement indépendant une fois adulte (et jusqu’à la mort), l’individu ne peut ni naître, ni être. Au Maroc, le ratio de dépendance est encore élevé, et tend à l’être davantage.

Pourquoi le pays n’arrive-t-il pas à trancher entre ces différentes personnalités (arabo-islamique et moderniste). Vivent-elles en harmonie dans l’être marocain ?

Le Marocain vit à la carte. Il ne choisit pas entre le menu arabo-islamique ou le menu moderne. Il puise dans les deux, de manière ponctuelle, selon la conjoncture, selon son intérêt du moment, immédiat. Concernant la sexualité, son discours « orthodoxe » condamne les sexualités non-conjugale et « contre nature », par contre ses pratiques sont ouvertes et libérales. Il vit une transition sexuelle faite d’inadéquation entre un discours religieux et une pratique sécularisée. Je ne parle jamais de schizophrénie parce que le Marocain sait ce qu’il fait. Il est conscient de l’inadéquation entre son discours et sa pratique. Il est ainsi parce qu’il est le produit d’une politique publique elle-même ambigüe qui se sert des deux registres et qui sert les deux registres à ses sujets-citoyens. L’Etat se sert à la fois de l’islam (sans être un état théocratique) et de la modernité (sans être un séculier). Il est entre les deux, il est les deux à la fois, il est une synthèse pragmatique de l’incompatibilité. Ce qui fait que l’on n’avance pas et que l’on ne recule pas. La transition est durable, elle est structurelle et structurante.

Selon vous, ce débat concerne-t-il véritablement la société, ou la seule élite, voire les politiciens qui instrumentalisent ces questions à des fins électoralistes ?

Le débat concerne le Marocain ordinaire, l’élite intellectuelle, le politicien, chacun à sa manière, chacun selon son niveau de conscience et ses intérêts. Pour le Marocain ordinaire, l’enjeu premier est de se présenter comme musulman, c'est-à-dire comme le meilleur du seul fait d’être musulman. Pour lui, être musulman revient souvent à être phallo-patriarcal, à imposer le voile aux femmes et le « placard » aux homosexuels. Pour l’élite intectuelle, l’islam est soit à rejeter totalement comme religion/illusion/erreur scientifique, comme instrument de domination et de guerre, soit à moderniser, à privatiser, à neutraliser comme source de loi. Pour le politicien, de gauche surtout, l’islam est à ménager pour ne pas s’aliéner le vote des masses. Comme on le voit, l’islam est encore très présent dans le sens où il ne cesse d’être instrumentalisé à des fins multiples, contradictoires. Le débat durera tant que durera l’indécision de l’Etat en la matière. Rappelons que cette indécision est fondatrice de l’Etat. Elle est structurelle et structurante.

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
28 septembre 2015 1 28 /09 /septembre /2015 11:42

الفصل الثاني

الجنس، حقل تفوق المرأة؟

عند مقاربة القرآن والسنة من خلال موقف لا تاريخي وغيبي، تتحول تلك النصوص إلى ظاهرة مقدسة، وإلى تشريع أنطولوجي غير قابل للتجديد والتغيير. ومعنى ذلك، في الميدان الذي يهمنا بالخصوص، إن دونية المرأة (القانونية والاجتماعية) في النص المقدس هي وضعيتها المثالية والنهائية، وإن الدرجة التفضيلية الفارقة عمل مؤسس وثابت في العلاقة بين الرجل والمرأة، وذلك مهما تغيرت الظروف والأحوال.

إلى جانب هذه المكانة الثابتة، يضيف الموقف اللاتاريخي الغيبي صفة أخرى لا تقل أهمية من حيث الدور الذي تلعب في تأسيس "ذات" المرأة وطبيعتها. إنها الشبقية. فالمرأة أسيرة شهوة جنسية عارمة تفقدها كل سيطرة على تصرفاتها وأحكامها ومواقفها. قوة هذه الشهوة وطغيانها يحولان المرأة إلى كائن مخيف ومسيطر، ينظر إلى الرجل من فوق وبتحد. ذلك أن إمكانيات الرجل الجنسية محدودة. بل وقاصرة على إشباع هذه الشبقية اللامتناهية. ومن ثمة، ألا يجوز القول بأن للنساء عليهم درجة؟

مجمل القول إذن أن المرأة :

1 – كائن دوني وقاصر في الميدان القانوني والاجتماعي

2 – كائن متفوق ومتسلط في الميدان الجنسي.

ما سر هذه الازدواجية ؟ هل هناك تعارض حقيقي بين هاتين الصورتين ؟ ما العلاقة بين الخطاب التشريعي النموذجي الذي يضع المرأة في المرتبة الثانية وبين الخطاب الذي يجعل منها الكائن المتسلط ؟ هل هي علاقة قطعية ؟ أم استمرار؟ أين نعثر قبل كل شيء على صورة المرأة / الشهوة ؟ ما هي النصوص المؤسسة والحاوية لهذه الصورة ؟ هل هي نصوص هامشية، بدعية، مجانبة للسنة والتقليد؟ متى ظهرت ؟ ولم ظهرت ؟

يذهب صلاح المنجد ([1]) إلى إن ظهور المؤلفات الجنسية في العالم العربي الإسلامي يرجع إلى بداية القرن الثالث الهجري. ورغم أن أسباب ظهور هذا النوع من الكتابات متنوعة ومختلفة، يمكن إجمالها في النقط التالية:

1 – تطور الحضارة العربية الإسلامية وامتزاجها بالحضارات الشرقية، الهندية والفارسية على الخصوص. وقد أدى ذلك التثاقف إلى حركة ترجمة واسعة شملت المؤلفات الجنسية كذلك .

2 – قدوم الجواري من مختلف إنحاء الإمبراطورية الإسلامية يعني قدوم تقنيات وعادات وممارسات جنسية جديدة ودخيلة، مختلفة ومتنوعة.

3 – تطور الذوق فيما يتعلق بجمال المرأة . فمقاييس الجمال اختلفت باختلاف المراحل الإسلامية، وباختلاف الشعوب الإسلامية ([2]).

4 – وجود طبقة مترفة تعيش في البذخ والمجون، وفي بحث مستمر عن الجديد في الميدان الجنسي. وهذا ما يبين إن معظم المؤلفات الجنسية كتبت استجابة لرغبة الملوك والأمراء والأعيان ([3]).

أدت هذه العوامل، مجتمعة، إلى انتشار وازدهار الخطاب الجنسي. والمعروف منه، "يمتد – حسب بوحديبة ([4])" – من الجاحظ إلى حسن خان على الأقل، أي على ألف سنة تقريبا. ومن المؤسف أننا لم نحتفظ بكل شيء. ففهرسة ابن الناظم تعطينا، في نهاية القرن العاشر، عناوين مائة دراسة فقدت كلها. والبعض ما يزال على شكل مخطوطات في الخزانات العمومية أو الخاصة، الغربية منها والشرقية".

من الكتب الجنسية المغربية التي ما تزال مخطوطة إلى اليوم، تجدر الإشارة إلى كتاب "نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب" لصاحبه احمد بن يوسف التيفاشي([5]). والغريب في هذا الكتاب إنه مركز بالخصوص على الممارسات الجنسية المحرمة. كيف يمكن ارتكاب الزنا دون مخاطر؟ كيف يمكن التعرف – من بعيد ومن وراء حجاب – على امرأة راغبة في الجماع ؟ كيف يمكن إغراء المراهقين ؟ تلك بعض الأسئلة التي يحاول التيفاشي الإجابة عليها.

إلا إن الكتاب الجنسي الذي نال شهرة وشعبية كبيرة في المغرب([6]) هو، بدون منازع كتاب الشيخ محمد النفزاوي : "الروض العاطر في نزهة الخاطر" . إنه الكتاب – النموذج للأدب الجنسي. ذلك إن إحاطته بمعظم جوانب تقنيات الفعل الجنسي، بالإضافة إلى بساطة أسلوبه جعلا منه كتابا شعبيا ومتداولا. ونود في هذا الجزء من التحليل إن نقف على موقف النفزاوي من المرأة ، ومن خلاله، على الرؤيا العامة الملازمة لكل أدب جنسي عربي إسلامي.

منذ البداية، توضع المرأة "كانسان" في بحث دائم عن الذكر :

وأنتن أيها النسوان ليس لكن صبرا على الإير هذا القول مشتهرا

فيه حياتكم أيضا وموتكـم وفيه رغبتكم في السر والجهــر"

بالإضافة إلى هذه الأبيات، نجد الكثير من القضايا الاعتباطية التي لا تقوم على برهإن، والتي تجعل من البحث عن الرجل إحدى البديهيات الأولية مثل :

  • "ألم تعلم إن النساء دينهن وعقلهن في فروجهن".
  • "لكن النساء أشد محبة في الأيور من الرجال في الفروج "

اعتبارا لهذه الصفات، تصبح إثارة المرأة أمرا سهلا بواسطة الكلام الجميل (الشعر)، أو العطر أو تقديم الإير القوي والمنتصب. وكدليل على فعالية هذه "الحيل"، يروي الشيخ النفزاوي بعض الحكايات التي تؤكد ما يقول. من هنا تبرز للقارئ صورة عن امرأة سهلة، فاقدة لكل سيطرة على نفسها وخاضعة لغرائزها الجنسية. في إطار هذا البحث الدائم عن الذكر ، تتميز المرأة بمقدرة كبيرة على التحايل. ومن "أحسن" الأدلة على تلك القدرة، قصة تلك المرأة التي استطاعت إن تجامع حمارا دون إن يفطن زوجها للأمر. وعلى كل، فإن المرأة تحقق دائما هدفها (الحصول على الذكر) سواء كان ذلك عن طريق الحيلة أو التهديد أو الجرأة. وكيف يمكن إن يكون الأمر غير ذلك إذا سلمنا مع النفزاوي بأن المرأة تساوي فرجها في نهاية المطاف، دون شرط ولا قيد. ويمكن أن نفهم انجذاب المرأة إلى الجنس إذا أعدنا إلى الذاكرة تلك الأسماء – الصور التي تتعلق بالفرج. ولن نكتفي بالقول مع بوحديبة "بأن هناك علم شبقى Erotologie على مستوى التسمية" ([7])، وإنما نضيف إلى ذلك إمكانية وجود شبقية على مستوى الكلمة، أو نوع من "الأورجاسم" اللغوي. فالكلمة، باعتبارها إرجاع إلى حالة، تخلق نفس الإحساس (باللذة) عن طريق نوع من الترابط. ومن بين الأسماء الواصفة للفرج، يمكن التركيز على أربعة منها تعكس جيدا إدراك الرجل للفرج، بل تعكس كل إحساساته واستيهاماته وتخوفاته. والأسماء الأربعة هي : الثقيل – الطالب – الصبار – الدكاك. فالثقيل هو الفرج الذي تهرب منه الأيور نظرا لكثرة طلباته، وهو على حد تعبير النفزاوي "لو دخلته أيور الرجال لما أهمه ذلك، ولو أصاب لزاد فيكون الإير في الهرب، وهو وراءه في الطلب". والطريف هنا هو إن هذه الصورة معاكسة تماما للنموذج الجنسي الذكوري، إذ من المعتاد إن يطارد الرجل المرأة، وإن تكون المرأة شيئا باردا في غير مستوى فحولة الرجل. أما هنا وعلى مستوى الخطاب الشبقي، فالفرج لا يفتأ عن طلب (الطالب) الذكر الجيد، أي عن "كبير المتاع، القوي الغليظ، البطيء الهراقة والسريع الإفاقة". وبديهي إن الفرج الذي يستحمل كل هذا العبء بفرح ولذة لا بد وإن يكون "صبارا"، بل ودكاكا : إنه يستهلك الذكر ويدكه إلى إن يفرغه من محتواه وقوته. من أجل ذلك، على الذكر إن يكون قويا، وألا يعرف إنواع العجز الجنسي.

في إطار هذا الصراع الشبقي، وضع النفزاوي بابا خاصا فيما يقوي الذكر على الجماع، وبابا آخرا يتعلق بالزيادة في حجمه، وبابا يهتم بالعجز الجنسي . ففي الطبعة المنتشرة بالأسواق المغربية، يتحدث الفصل السابع عشر عن العجز الجنسي وكأنه ظاهرة فيزيولوجية صرفة تستلزم علاجا كيميائيا صرفا. إلا أن بوحديبة ([8]) يشير إلى بعض المقاطع (المحذوفة من الطبعة المذكورة) التي تعطي أهمية قصوى للبعد السيكولوجي. وقد عثر عليها في ترجمة ليزيو Lisieux لكتاب الشيخ. وفعلا، يذهب النفزاوي – حسب هذه الترجمة المؤسسي " إلى إن العجز الجنسي ينتج… أولا عن برودة عامة في الطبع يمكن القضاء عليها بوسائل مختلفة (…) فالعلاج بالإيحاء (…) يكون ذا فعالية كبيـرة إذا كان المريض انفعاليا"([9]). إمكانيات مفاهيم المزاج والطبع، علاوة على مفاهيم البرودة والإيحاء والانفعالية، مفاهيم ذات دلالة سيكولوجية واضحة. والشيخ النفزاوي نفسه يرى بأن الشبقية Erotisme دواء جيد ضد القلق وضد العجز الجنسي، وفي ذلك خروج عن المنظور الفيزيولوجي المحض. فالملاعبة والملامسة والقبلة المحكمة واللذية من الوسائل التي تهيج الرغبة وتقضي على القلق. والغريب في الأمر إن مثل هذه المواقف محذوفة تماما من الطبعة المتواجدة في المغرب، بل والأغرب من ذلك إن هذه الطبعة نفسها سرية حيث يجهل القارئ تاريخها واسم ناشرها ومدينة نشرها.

على كل وبخصوص النقطة التي نحن بصددها، يمكن إن نتساءل فيما إذا كان حذف البعد السيكولوجي يستجيب إلى الرؤيا الشعبية للعجز، تلك الرؤيا التي تختزله في الضعف الفيزيولوجي الجسماني. ومن ثمة يغدو التركيز على الجانب الفيزيولوجي من الوسائل الناجعة لإحياء "سوق الأعشاب" السائرة في طريق الانقراض. ولا شك إن تناول هذه الأعشاب – حسب النفزاوي وحسب الرؤيا الشعبية السائدة – يقضي على كل برودة جنسية ويهيئ الذكر للقيام بالأدوار البطولية. فالدليل على ذلك قصة يرويها النفزاوي في أبيات شعرية :

وحتى أبو الهيلوج قد قام إيــره ثلاثين يوما من تقويـــة البصـل

وأيضا أبو الهيجاء قد افتض ليلـة ثمانين بكـرا عن تمـام ولم يكــل

وكان أبو الهيجاء يأكـل حمصـا ويشرب لبن النوق ممزوجا بالعسـل

ولا تنس ميمونا فقد بلغ المنــى على نكحها خمسين يوما بلا مهــل

فما فرح الميمون يوما لشرطهـا وزاد على الخمسين عشرا ولم يمــل

وكان غذاء العبد ميمون دائمــا مخاخ أصفر البيض بالخبز إن أكــل

من الواضح إن خطاب النفزواي في هذه الأبيات خطاب ذكوري بالأساس. ومن المنطقي في هذا الإطار ألا يأخذ الرجل متعة المرأة بعين الاعتبار. لكننا، على عكس ذلك، نجد الشيخ يلح على ضرورة اللذة المتبادلة والمشتركة. ذلك إنه لا ينبغي اعتبار المرأة مجرد أداة يستمتع بها الرجل، كما توحي بذلك عبارة : " إلق بها على الأرض" . فالنفزاوي لا يكتفي بالتأكيد على عدم شذوذ الأورجاسم orgasme النسوي، وإنما يرى فيه شرطا أساسيا لنجاح الفعل الجنسي برمته. ومرة أخرى، نشير إلى إن مبدأ الاورجاسم المشترك مبدأ مسكوت عنه في الطبعة الشعبية المتداولة بالمغرب. وبالفعل، فإن تلك الطبعة تظهر دائما متعة المرأة بالمظهر السلبي وتقدمها بصفتها شذوذا وغلوا في الرغبة. لكن الشيخ، حسب ترجمة ليزيو Lisieux ، يؤكد إن متعة المرأة شرط ضروري وجزء لا يتجزأ من متعة الرجل. يقول الشيخ : "يجب إن تكون اللذة مشتركة لكي تتحقق فعلا حفلة الحواس : إن الرجل الذي يهتم بلذته فقط، دون إن يحرص على إمتاع عشيقته، ما هو إلا إنسان شبقي يضيع قواه الجنسية… هذه هي تعاليم العلي من أجل إنجاح فعل أساسي لا ينبغي إن يتحول إلى عمل شاق ومرهق، ومن أجل إن يبقى وسيلة للشعور بالسعادة وذلك عن طريق إسعاد امرأة" ([10]). ضرورة الأورجاسم المشترك لا تدل على وجود سوق جنسية يتعامل داخلها الطرفان حسب قانون القصاص أو المقايضة : العين بالعين والأورجاسم بالأورجاسم. ذلك إنه لا يمكن بتاتا التحدث عن سياسية جنسية تبادلية أو منفعية في الروض العاطر. فالقارة الجنسية، في الحضارة العربية الإسلامية، ليست قارة مستقلة عن الحقل الديني القدسي، ولا ترضخ إلى قواعد "اقتصاد اللذة" بالأساس.

ماذا يعني حذف مبدأ الأورجاسم المتبادل من الطبعة المتداولة في المغرب ؟ هل يدل على رغبة الرجل المغربي في إبعاد المرأة عن قارة اللذة والشبق ؟ هل الزواج المبكر عادة تعزز هذا الافتراض؟ إن قارة اللذة هي في الواقع ممنوعة بالنسبة للمرأة في إطار المنظور الاجتماعي التقليدي، لأن اكتشاف اللذة كحق بداية لمسلسل التمرد على النموذج الجنسي التقليدي البطريركي.

إن "الروض العاطر" رغم إبرازه لبعد الرغبة عند المرأة، لا يتجاوز التشييئ ولا يضع المرأة كذات، أو كحرية. على العكس من ذلك، يتم تشييئ المرأة حين يركز النفزاوي على الجسد، بل وحين يختزل المرأة في الجسد-الرغبة أو في الجسد المجمل والمهيأ للاستهلاك. وبالفعل يلح النفزاوي على ضرورة تجميل الجسد، أي تهييئه لاختطاف أكبر قدر ممكن من اللذة. فالحمام والعطر واللباس والأكل، كل هذه الأشياء، وهي أمور الحياة اليومية العادية، توظف وتخضع إلى غائية عليا (اللذة) وتغدو شرطا ضروريا لكل فعل جنسي. من خلال هذه التحضيرات ، تبرز نظرية معينة عن الزمن، تخضعه بأكمله للجنس. ومن ثمة، لا يمكن اختزال الفعل الجنسي في لحظة الجماع فقط، وإنما يجب النظر إلى كل أفعال الحياة اليومية كأفعال جنسية تهدف كلها إلى غائية واحدة : المتعة. إن مرور الزمن ليس اقترابا من اللذة، إنه متعة في ذاته. مما لا شك فيه إن هذه الرؤيا عن الجسد والزمن ، القائمة على قيم جمالية – شبقية بالأساس، تدفع حتما إلى التساؤل عن الخلفية الطبقية للروض العاطر. هل يمكن لظواهر مثل تجميل الجسد ومعاناة الزمن – اللذة إن تشكل ظواهر ما فوق طبقية ؟ بديهي إن تجميل الجسد وتحضيره عن طريقة العطر واللباس مسائل تتطلب إمكانيات مادية أكثر من متوسطة. بالإضافة إلى ذلك، يستلزم اقتطاف اللذة زمنا فارغا غير متبوع بمشاكل الحياة ومكانا خاليا من الأشخاص اللامتعويين (الأطفال – الزوجات – أعضاء الأسرة). يظهر إذن إن الغنى والفراغ يحدان كثيرا من شمولية الرسالة النفزاوية. فالقصص التي يرويها النفزاوي نفسه كثيرا ما تحدث في القصور وعند النبلاء. إن هذا الوسط المتحرر من متاعب المشاكل المادية هو في نهاية المطاف الإطار القابل لاتباع الرسالة النفزاوية باعتبارها تحتوي على الصورة "النموذجية" للفعل الجنسي، وعلى المبادئ والقوانين العلمية المنظمة للحقل الجنسي.

إن ربط "الروض العاطر" بالشرائح العليا من المجتمع المغربي ما قبل الكولونيالي يحتم علينا على الأقل طرح التساؤل التالي : كيف أصبح "الروض" كتابا شعبيا ومتداولا في الأوساط المتواضعة ؟ هل يجب إن نرى في هذه الظاهرة تجسيدا لانحطاط الثقافة النخبوية التقليدية عند اصطدامها بالثقافة العقلانية العصرية؟ ألم تصبح هذه الثقافة علم أولئك الذين ليست لهم إمكانيات للحصول على ثقافة العصر؟ إن انتقال "الروض" من حقل ثقافة النخبة إلى حقل ثقافة الهامش ليس دليلا على تطور علمي محض (حصل في ميدان الجنس) بقدر ما هو رمز على فقدان مجتمع لسيادته، فأصبحت ثقافته ثقافة هامشية ومحيطية.

في بداية هذا الفصل، انطلاقا من الملاحظة التالية :

إن التصور اللاتاريخي يؤدي إلى استخراج صورتين متناقضتين حول المرأة : المرأة كائن دوني / المرأة كائن متفوق. فالخطاب الفقهي ينطلق، في تحديد أحكامه، من كون المرأة كائن ناقص، في حين يرتكز الخطاب الجنسي (والذي لا يقل سنية عن الأول) من القول إن المرأة تفوق الرجل وتتسلط عليه في الميدان الجنسي. يبلغ التناقض الظاهر بين الخطابين إلى درجة تبرير تعدد الزوجات من أجل إشباع الفحولة اللامتناهية للمؤمن (في الفقه)، وإلى درجة تبرير كل القيود والتضييقات المسلطة على المرأة (من طرف الفقه) لأنها لو تركت حرة لما استطاعت الاكتفاء برجل واحد (الخطاب الجنسي). من خلال هذه المفارقة، يتبين وجود استمرارية عميقة بين الخطاب الفقهي والخطاب الجنسي تجعل القول بالتناقض بين المرأة الدونية والمرأة المتفوقة قولا واهيا. إن الوقوف عند ذلك التناقض ضرب من السذاجة وعدم التبصر. فالمرأة / الشهوة ما هي إلا مكبوت المرأة الدونية. وبتعبير آخر، يتسلط الفقه السني الذكوري على المرأة من أجل ضبطها لأنها في حاجة إلى مراقبة، في نظر الفقه نفسه. ومن ثمة، فإن المنظور الذي ينطلق من تصور مسبق عن الطبيعة الجنسية الإنثوية لا بد وإن ينتج تقنينا معينا يواجه خطر الأنثى. وتبسيطا لهذا الميكانيزم، يمكن رسم الجدول التالي :

اللحظة الأولى : إدراك المرأة كسر مبهم، كخطر، كإغراء، كجنس لا متناهي.

اللحظة الثإنية : شعور الرجل بالاعتداء، بالخوف، بالنقص.

اللحظة الثالثة : - تحقير المرأة / تمجيد الأم.

- وضع قانون دفاعي يحمي الرجل من تسلط المرأة.

- ظهور هذا القانون بمظهر القانون الذكوري المتسلط على المرأة التي تصبح في حاجة إلى قانون يحميها ويحررها.

إلا إن السؤال الذي يجب طرحه هو : هل هذا الميكانيزم المرتكز على ثنائية الاعتداء / الدفاع خاص بالتحديد الإسلامي للعلاقة بين المرأة والرجل ؟ أم أنه يتواجد على صعيد كل قراءة تجعل من "الفرضية القمعية" إطارها النظري – الإيديولوجي العام ؟

[1] - صلاح المنجد : "الحياة الجنسية عند العرب". مطابع دار الكتاب، بيروت 1958.

[2] - عبد الوهاب بوحديبة : "إن البطون المتجعدة التي كانت متعة رجال الجاهلية فقدت نفوذها قبل إن تسترجعه مع الإمبراطورية العثمإنية. أما الأمويون والعباسيون فقد أحبوها (البطون) ناعمة وملساء (…) كانت المرأة ماقبل الإسلامية تقارن بكل بساطة بالبقرة وبالغزال، وبالقمر، وبالشمس. وقد إندثرت هذه الإحالة إلى الطبيعة حيث أصبحت المرأة محبوبة من اجل ذاتها، وحيث غذت مقاييس الجمال بشرية أكثر مما كانت عليه" . « La Sexualité en Islam" op. cit. P. 173.

[3] - وهذا ما يشير إليه الشيخ النفزاوي نفسه في "الروض العاطر". انظر مقدمة ذلك الكتاب.

[4] - عبد الوهاب بوحديبة : « La Sexualité en Islam" op . cit. p. 173.

[5] - توجد نسخة من هذا المخطوط في الخزانة الوطنية بباريس تحت رقم

3054 – Ir – 643 (1) I - 892

[6] - فيما يتعلق بالشرق، يمكن ذكر المؤلفات التالية:

  • الجاحظ: "مفاخرة الجواري والغلمان".
  • ابن نصر: "جوامع اللذة".
  • ابن كمال باشا : "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه"
  • السيوطي : "الإيضاح في علم النكاح" . – "الرحمة في الطب والحكمة".

[7] - عبد الوهاب بوحديبة : « La Sexualité en Islam" op. o . 180 .

[8] - عبد الوهاب بوحديبة : « La Sexualité en Islam" op. p . 187 .

[9] - I. Lisieux : « Le jardin parfumé ». Paris Editions Bonneau 1886 p . 248.

[10] - I. Lisieux : « Le jardin parfumé ». op. pp. 99-101 .

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
14 septembre 2015 1 14 /09 /septembre /2015 12:54

الفصل الأول

موقف الإسلام من المرأة والجنس: مسألة قراءة

إن طرح قضية المرأة والجنس أمر يحتم على كل باحث مغربي إن يتطرق إلى موقف الإسلام، وذلك اعتقادا منه بأن وضعية المرأة في المغرب تتحدد بدرجة كبيرة انطلاقا من الإسلام، أو وعيا منه بأن إدماجها في العصرنة لا يمكن إن يتجاهل الإسلام. ومن ثمة تطرح الأسئلة التالية على بساط البحث والجدال: ما موقف الإسلام من المرأة والجنس؟ هل حرر الإسلام المرأة؟ هل يتعارض الإسلام ومفهوم المساواة بين الرجل والمرأة ؟ ما موقف الإسلام من الثورة الجنسية المعاصرة ؟

مواجهة هذه الأسئلة تعني الدخول في حرب النصوص. معنى ذلك إن كل باحث يبرز مواقفه بالرجوع إلى نصوص قدسية معينة، فيقوم بإبرازها وبتفسيرها وبتأويلها طبق اتجاهاته وأغراضه. ويتوصل كل باحث إلى تقديم الصورة "الحقيقية" للإسلام " الحقيقي"، مقتنعا بأن تفسيره هو التفسير الصحيح في حين إن تفاسير الآخرين تفاسير خاطئة ومغرضة.

قليلا ما يعي الباحث إن ذلك الإسلام الحقيقي الذي يتحدث عنه ما هو في نهاية الأمر سوى تصوره الذاتي حول الإسلام، فنادرا ما يعترف أن موقفه مجرد قراءة تحددها ظروف ذاتية وموضوعية مستقلة عن إرادته وعن وعيه في غالب الأحيان. عدم الوعي بذلك التحديد، وبتلك النسبية الناتجة عن المنظور المتبنى، هو ما يؤدي بالكثير من الباحثين إلى التصلب وإلى التزمت ، وفي بعض الأحيان إلى تكفير البعض للبعض. عدم الوعي بهذه النسبية هو ما يقود إلى مواقف متصلبة تجعل الإسلام نظرية ذكورية تارة، أو تجعل منه نظرية نسائية ليبرالية تارة أخرى. الاختلاف إذن والتناقض هو ما يطبع العلاقة بين قراءات الإسلام، وبالتالي ما يميز المواقف الإسلامية تجاه قضية المرأة والجنس.

عباس محمود العقاد مثلا يرى إن الإسلام قد قدم للمرأة في القرن السابع الميلادي أكثر ما يمكن تقديمه: القرآن أسمى تشريع في تاريخ المرأة . "فالحقوق والواجبات التي قررها كتاب الإسلام للمرأة قد أصلحت أخطاء العصور الغابرة... وأكسبت المرأة منزلة لم تكسبها قط من حضارة سابقة... وجاءت آداب الحضارات المستحدثة على نقص ملموس في أحكامها ووصاياها"[1]. ومن ثمة يمكن القول إن تاريخ المرأة قبل الإسلام تاريخا تصاعديا وصل نهايته وذروته مع التشريع الإسلامي النسائي. وبالمقابل، فإن تاريخ المرأة بعد الإسلام ما هو إلا ابتعاد عن النموذج الإسلامي، بمعنى إن التقدم في التاريخ الزمني الواقعي سير في طريق الانحطاط. ونجد نفس الفكرة عند علال الفاسي حيث يقول. "والواقع أن حقوق المرأة المسلمة المدنية تفوق حقوق كل امرأة في مختلف القوانين والحضارات القديمة والمحدثة([2]). وقد كانت هذه الحقوق واقعا ملموسا وتشريعا مطبقا، "فكانت المرأة في عصر الارتقاء العربي محترمة مهابة الجانب"([3])... لكن الأزمنة اللاحقة لم تحتفظ للمرأة بالمكانة الرفيعة التي خصصها الإسلام لها، "فأصبحت في عهد الانحطاط بمثابة الخادمة المضطهدة المغمورة في وسط الجواري والحريم… لم يعد هنالك أكثر من الوازع الجنسي والانغمار في الترف، فأدى ذلك إلى النظرة للمرأة على إنها رمز للاحتيال والخديعة وأحط الغرائز وأسفل العواطف"([4]).

إن القرآن الذي شكل ذروة التاريخ البشري لا يمكن إن يتضمن الخطأ، رغم مظاهر التناقض والحيف. فجاء كتاب العقاد محاولة لإعطاء أحكام القرآن وتصوراته أسسا علمية وشواهد تاريخية. والهدف من ذلك هو تفسير تلك المظاهر اللامنطقية واللاعادلة، وبالتالي إضفاء صبغة العقل والمنطق عليها. مهمة الواقع هي أن يسخر لإثبات صدق النظرية القرآنية.

من بين مظاهر الحيف، تلك الدرجة التي فضل الله بها الرجال على النساء([5]). يذهب العقاد إلى إن تفضيل الرجل (الدرجة، القوامة) يرجع أولا وقبل كل شيء إلى الفطرة، ثم إلى واجب الإنفاق على المرأة. ومرجع هذا الواجب ليس الظروف الاجتماعية التاريخية التي نزل فيها القرآن، وإنما هو " واجب الأفضل لمن هو دونه فضلا"([6]). إن الرجل أفضل بذاته وفي ذاته، "وحكم القرآن الكريم بتفضيل الرجل على المرأة هو الحكم البين"([7]).

إن التقسيم الجنسي للعمل جعل المرأة تختص في الطهي والتطريز وصناعة الملابس، وفي التزيين والرقص. ويدل هذا التخصص على تفوق المرأة في هذا الميدان. لكن ملاحظة الظواهر الاجتماعية والتاريخية تبين العكس، " فبعد توارث هذه الصناعة آلاف السنين، لا تبلغ (المرأة) فيها مبلغ الرجل الذي يتفرغ لها بضع سنوات، ولا تجاريه في إجادة الأصناف المعروفة" ([8]).

تفضيل القرآن للرجل موقف سليم بالنظر إلى طبيعة تكوين الجنس كذلك. أليس من العدل إن يوضع الجنس الذي يريد، والذي يغتصب، والذي يتعارك، في المكان الأفضل؟ أليست الإرادة، والضرورة، والتسلط أدلة بيولوجية على تفوق الرجل ؟ "اعتراء الفصد المرأة كل شهر" ، اشتغالها بالحمل تسعة أشهر، إدرار لبن الرضاع عامين، كل هذا يبين إن الطبيعة (الفطرة) هيئت للمرأة مكانة دونية وتابعة. كل هذه الأدلة تبين إن القرآن في استمرارية مع منطق الطبيعة، ومع قوانين التاريخ، وبالتالي، فإن الدرجة الفاصلة ليست موقفا أو رأيا، إنها مجرد تسجيل للواقع، ولا مجال إذن لتعدد المذاهب والنظريات.

موقف العقاد موقف واضح من قرآن واضح: القرآن يقر أفضلية لا شرطية للرجل، والعقاد يقر مصداقية لا شرطية للقرآن ! أفضلية الرجل أفضلية أنطولوجية لا دخل للتاريخ في تأسيسها... أو في زوالها.

عند قراءة العقاد، يظهر الإسلام بمظهر النظرية الذكورية المناهضة لكل طموح نسائي ولكل مطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة. والعقاد واع تمام الوعي بهذا البعد الذكوري البطريركي الذي يسدله على الإسلام دون إن يخلف لديه ذلك شعورا بالذنب، أو شعورا بالتخلف، أو شعورا بمجانبة الحقيقة والتاريخ. على العكس من ذلك، نجده يعتبر قضية المرأة من خلال الطرح النسائي شيئا دخيلا على الإسلام وعلى خصوصية المرأة الشريفة: " تسلمنا – في الشرق – قضية المرأة حيث إنتهت في الغرب بعد تاريخ طويل يخالف تاريخنا في مطالعه ونهايته، كما يخالفه في مجراه… ظفرت المرأة الغربية ببعض الرعاية منذ القرن التاسع عشر… لم تظفر بتلك الرعاية لأنها حق تملكه المرأة في كل بيئة، بل كان ظفرها بها ثمرة لنزاع طويل على الحقوق المهضومة... هذه المرأة ليست بالمرأة المسلمة ولا بالمرأة الشرقية، في ماضيها وفي حاضرها، ولا في مستقبلها"([9]). ولا يقف الشعور بتاريخ خاص عند حد ذاته، وإنما يزود العقاد بالشعور بالتفوق، فالمرأة المسلمة "لا تتقاضى حقا ولا تتلقى واجبا من مخالب الفتنة الجامحة ولا من براثن المصنع الشحيح، وإنما هي صاحبة هذه الحقوق العادلة وهذه الواجبات لأنها من خلق الله، على قسطاس المساواة العادلة بين الحقوق والواجبات"([10]) . قضية المرأة قضية دخيلة على الإسلام وعلى العالم الإسلامي اليوم، نظرا لكونها قضية عولجت بطريقة نهائية في التشريع القرآني. المشكل يكمن فقط في ضرورة تطبيق التعاليم الإسلامية واحترامها في الواقع، دون اعتبار ذكوريتها مظهرا من مظاهر القمع والاستغلال والتخلف.

في مقابل هذه القراءة النصية اللاتاريخية للقرآن والتي تقف عند معناه الظاهر، يمكن العثور على قراءات أخرى تفهم نفس النصوص فهما لا ذكوريا يتجه نحو إقرار المساواة بين الجنسين. إن أفضلية الرجل تصبح من خلال هذا المنظور طرحا مرتبطا بالبنيات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الموروثة عن المجتمع البطريركي الجاهلي. وبالتالي، تغدو هذه الأفضلية نشازا أخلاقيا في بنيات تاريخية مغايرة، تقضى على الأساس المادي لسيطرة الرجل على المرأة. من هنا، تتجلى ضرورة ربط التصور القرآني الذكوري بالظروف الاجتماعية المحيطة بنزول القرآن، حتى لا تتحول الذكورية القرآنية إلى قضية أنطولوجية وإلى حكم نهائي.

ويعني تبنى الموقف التاريخاني من النص المقدس تغيير منهجية التأويل والقراءة. والواقع إن التبرير الأخير لهذا التغيير لا يرجع إلى أسباب نظرية ومعرفية محضة بقدر ما يرجع إلى إرادة تقريب القرآن من روح المساواة بين الجنسين، باعتبارها قيمة تستجيب لحقوق الإنسان.

إن المعاني السائدة لعبارة " قوامون" القرآنية هي : السلطة، التفوق، الأولوية. وبديهي إن كل هذه المعاني تحتفظ بالأفضلية للرجل، وبالذكورية للقرآن. لذا، ينبغي تجاوزها. أفلا يجوز في نظر محمد عزيز لحبابي([11]) إن نختزل القوامة في وظيفة التكليف؟ "الرجال قوامون على النساء" آية تعني فقط أنهم مكلفون بهن من حيث واجب الإنفاق. ولا يرجع هذا الواجب إلى أفضلية ملازمة لذات الرجل، وإنما يعكس فقط مستوى تطور العلاقات الاجتماعية عند نزول القرآن. إضافة إلى ذلك، كان من الصعب إن يقر الإسلام دفعة واحدة بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، في حين إنه "لم يسمع قبل إن حركة أو حتى أفكارا كانت تتجه لإعطاء حق للمرأة بصفتها ركنا للعمران ونصف الرجل في الحياة. فكان موقف الإسلام إزاء ذلك صعبا ودقيقا، بل من أدق ما اعترض الإسلام من شؤون" ([12]). كان إذن لا بد من الاحتفاظ بامتيازات للرجل، تماشيا مع الأعراف القبلية ومراعاة للرجل كقوة حربية ضرورية لإنتشار الإسلام. يجب الاعتراف للإسلام بنوع من الشجاعة حين أقدم، في ظل هذه الظروف، على منح المرأة حقوقا شرعية ومدنية. فهذه الحقوق التي أقرها الإسلام، رغم جزئيتها، أحدثت ثغرة هامة في الاقتصاد البطريركى القبلي من جهة، وفي التصور الذكوري من جهة أخرى. يتجلى من هنا إن احترام الواقع (من أجل تغييره) كان هاجسا أساسيا ومؤسسا للمنظور الإسلامي، حيث إنه فرض التغيير التدريجي عوض القطيعة الجذرية والكلية في التعامل مع الواقع. ومن ثمة يتوجب على المفسر المعاصر إن يحترم روح الواقع حتى لا ينتهي إلى تناقض بين تعاليم ومفاهيم قرآنية ثابتة وبين معطيات تاريخية متغيرة.

احترام المنهج التاريخي يوجب عدم إعطاء قيمة مطلقة للمعنى الظاهر في الآيات القرآنية. في هذا الإطار، يمكن القول بأن القرآن يستعمل مفهوم "الدرجة" لتفضيل الرجل في وضعية دقيقة ومعينة، وهي حق الرجل في إرجاع زوجته بعد الطلاق، لأنه المسؤول والفاعل المباشر للطلاق. وخير دليل على مشروعية هذا التأويل إيراد عبارة "وللرجال عليهن درجة" في سياقها العام : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن إن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر، وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا. ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة. والله عزيز حكيم. الطلاق مرتان. فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"([13]). واضح من هذا النص المقدس إن عبارة "درجة" مسبوقة بحديث عن الطلاق، وعن حق الزوج في رد زوجته، ومتبوعة بحديث عن الطلاق كذلك، أليس هذا دليل على إن درجة التفضيل مقيدة ؟ أيجوز بعد ذلك إن نعتبرها قضية أنطولوجية ؟ أو تصورا حول طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل بغض النظر عن الواقع التاريخي؟ ألا يفضي تغيير حيثيات الطلاق، تماشيا مع روح المساواة، إلى القضاء على تلك الدرجة الفارقة؟ هل في هذا التدرج نحو علاقة عادلة بين الرجل والمرأة خروج عن الإسلام ؟ من هنا يظهر إن الخطر ناتج عن اعتبار النص القرآني الظاهر فلسفة مكتملة ونهائية لتنظيم العلاقة بين المرأة والرجل. إن خضوع فهمه وتأويله للواقع هو الشرط الوحيد لضمان خلوده وصلاحيتـه العبر- تاريخية Transhistorique .

نفس الإشكال، نفس الاختلاف، نفس التناقض نجده عند مواجهة قضية الجنس والإسلام. ومرة أخرى، يكمن الخطأ في الاعتقاد بأن للجنس Sexualité مكانة ثابتة في الإسلام أو إن للإسلام نظرية قارة حول الجنس. مرة أخرى، يجب التذكير بأن مكانة الجنس في الإسلام، وبأن النظرية الجنسية الإسلامية ظواهر تاريخية، بمعنى إنها قضايا تتحدد إنطلاقا من قراءات معينة للنص القرآني، استجابة لغائيات معينة ومتغيرة.

في نظر عبد الوهاب بوحديبة([14])، يشكل النشاط الجنسي البشري حالة عينية من قانون الجماع كقانون شمولي وكوني. ومن ثمة، أخذه القرآن بعين الاعتبار، ورأى فيه فعلا يقرب الإنسان من الله لأنه يستهدف التعمير والحفاظ على النوع. النشاط الجنسي جإنب هام من النشاط الإنساني، الشيء الذي لا يسمح بتجاهله أو بكبته. لذلك أخذ القرآن على عاتقه تنظيم وتقنين هذا النشاط، لا لكونه يضمن التعمير فحسب، وإنما لكونه يشكل، كمتعة، هدفا في حد ذاته. "فمحمد نفسه أعطاهم (فقهاء، قضاة، شيوخ) المثال، حيث كان يحرض أتباعه على التعاطي للجنس، وعلى الملاعبات، وعلى مجون الجسد والخيال"([15]). أليـس وجود علم الباه في الحضارة العربية الإسلامية ، كعلم سني ، دليل وتجسيد لتقبل المتعة الجنسية من طرف الإسلام ؟ أليست الجنة مكان الذروة الجنسية اللامتناهية l’orgasme infini ؟ ([16]). النشاط الجنسي إذن نشاط مباح بل ومشجع، بعيد عن مفهوم الخطيئة أو الإثم. وبالتالي فإن "القذارة" لا تنتج عن الفعل الجنسي بقدر ما تنتج عما ينتج عن الفعل الجنسي من منى أو سيلان أو دم . هكذا تغدو "القذارة" حالة فيزيائية عابرة لا علاقة لها بالأخلاق أو بالمعنويات، تتجاوز بعد الغسل حتى يحصل المؤمن من جديد على حالة طهارة تمكنه من العبادات. من هنا يتبين إن الطهارة لا تعني الإمساك الكلي والمستمر عن ممارسة الجنس، كما إن القذارة ليست مقترنة بالفعل الجنسي في حد ذاته، وإلا لما كان التحاور مع المقدس – من خلال الصلاة والصيام وتلاوة القرآن مثلا – مسموحا به للمؤمن الناكح. إن هذا التقبل للفعل الجنسي لا يتم في الواقع إلا داخل مؤسسة النكاح، في حين يعتبر نفس الفعل وطئا أو زنا، أي من الفواحش الكبرى، إن تم حدوثه خارج حدود النكاح الشرعية والمقدسة. "إن النكاح، حسب تعبير بوحديبة، يضفي على الفعل الجنسي نبلا فيزيائيا، واجتماعيا، وعاطفيا، وروحيا"([17]). لكن لا يعني هذا إن النكاح ينحل في نهاية الأمر إلى تبرير الفعل الجنسي، وإلى إمداد هذا الأخير إطارا شرعيا. إن النكاح في حقيقة الأمر تجاوز للفعل الجنسي، إنه "الجماع المتسامى"[18](coït transcendé)، من حيث هو وضع لقوانين، ولمحرمات، ومن حيث هو دخول في النظام القدسي . وفعلا، أليس النكاح أساس الإحصان ؟ أليس الزواج نصف الدين؟ أليس الزواج تحديدا لقواعد الميراث؟ علاوة على ذلك، يطور النكاح روح الجماعة ويحتم الخروج من العزلة وإقامة علاقات مع الآخرين. طبعا لا يمكن اختزال النشاط الجنسي في النكاح، لكن الإسلام حسب بوحديبة، يرفض كل الأشكال الجنسية اللاشرعية (الوطء / الزنا) واللاطبيعية (استمناء، اللواط، السحاق). فالأولى خرق لقوإنين الأمة ووقوع في الفتنة والفوضى، وأما الثانية فهي عدم احترام للحدود الجنسية المقدسة بين الرجل والمرأة. حقا، يشكل الزنا فوضى بالنظر إلى الفعل الجنسي المؤسستي institutionnel ، لكنه يبقى مع ذلك في حدود النظام الإلهي. إنه فوضى في النظام لأنه لا يخرج عن النظام الأساسي الكوني، عن القطبية الثنائية، قطبية الرجل والمرأة. ومن ثمة، "فإنه ليس نكاحا مضادا، إنه نكاح غير صحيح"([19]). خلافا لذلك، يجب النظر إلى اللواط وإلى الاستمناء وإلى ممارسة الجنس مع الحيوان أو مع الميت على إنها أشكال نكاح مضاد باعتبارها رفض لمعطيات الطبيعة وللإرادة الإلهية. "إن الانحراف الجنسي تمرد ضد الله" ([20]) حسب بوحديبة.

انطلاقا من هذا التقديم "لإسلام بوحديبة"، يمكن القول إن للإسلام موقف إيجابي بصدد الفعل الجنسي يمكن تلخيصه في النقط التالية :

  • النشاط الجنسي نشاط مشروع في إطار النكاح.
  • النشاط الجنسي المؤسسي غير مقترن بالخطيئة.
  • النشاط الجنسي المشروع احترام للحدود الجنسية المقدسة الفاصلة بين الرجل والمرأة

-

إن تحديد النظرية الجنسية الإسلامية بهذا الشكل الإيجابي، حسب اعتقاد بوحديبة، يقود هذا الأخير إلى تبني المنطق السلفي الثنائي. فالنظرية الجنسية الإسلامية، كما سبق تحديدها، غير مسؤولة عن الاستغلال الجنسي الذي خضعت إليه المرأة في المجتمعات الإسلامية، كما إنها لا تبرر بحال من الأحوال تطور الزنا والبغاء وانتشار الأشكال الجنسية المنحرفة داخل المجتمعات المذكورة. إن حدوث هذه الظواهر في تاريخ الجنسانية الإسلامية لدليل على عدم احترام المسلمين تعاليم الإسلام الجنسية. "إن الإنسان الساذج – أو ذي النية السيئة – هو الوحيد الذي يستطيع، في رأي بوحديبة، إن يندهش عن التفاوت الموجود في كل مجتمع بين مثله العليا وبين استعمالها. وليست المجتمعات العربية الإسلامية استثناءا. فالمبادئ التعادلية والديمقراطية الجميلة في الإسلام الأصلي بقيت أحيانا مجرد نيات حسنة. ولم يخل المجتمع العربي الإسلامي لا من التفاوتات ولا من النزعة الأرستقراطية ولا من الفيودالية. لذا، فإنه من كامل المعقول – قبْليا – أن يفضي التصور الرومانسي للحياة في الإسلام إلى مجتمع يتصنع الحشمة والتحفظ"([21]). من هنا، تبدو الثنائية بوضوح: نظرية جنسية إسلامية إيجابية / ممارسة جنسية "إسلامية" سلبية – نموذج إيجابي / تاريخ سلبي. لا شك إن مفهوم القطعية / الخيإنة يحتل في هذه النقطة بالذات، مكانة نظرية مركزية.

خلافا لهذا الموقف الذي يبرأ الإسلام كنص نموذجي مقدس من الاستغلال الجنسي للمرأة، تذهب فاطنة آيت الصباح ([22]) إلى الموقف المضاد تماما، أي إلى اتهام النموذج الإسلامي نفسه من جهة، وإلى القول باستمرارية عميقة بين ذلك النموذج الممجد وبين الواقع التاريخي المتهم. إن استغلال المرأة الجنسي لا ينتج عن سوء تطبيق تعاليم الإسلام، إنه على العكس من ذلك امتدادا لها. وبالفعل، تقر فاطنة آيت الصباح بتشييئ القرآن للمرأة حين نقرأ مثلا : "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والإنعام والحرث. ذلك متاع الحياة الدنيا. والله عنده حسن المئاب"([23]). في هذه الآية، توضع المرأة في مستوى الخيرات المادية (الذهب والفضة)، وفي مستوى الحيوإن (الخيل والإنعام)، وأخيرا في مستوى النشاط الزراعي (الحرث). هذه التسوية بين المرأة وبين الأشياء والحيوإن تظهر جليا في استعمال عبارة "متاع الحياة الدنيا". أيجوز، بعد تحديد المرأة كشيء([24])، التحدث عن فعل جنسي؟ "في العالم البطريركى، تجيب آيت الصباح، لا يشكل الفعل الجنسي فعلا يجمع بين عشيقين يتمتعان معا بالإرادة، إنه فعل يستمني (se masturbe) خلاله كائن بشري واحد بشيء (avec un objet)، بالمرأة التي كثيرا ما تقارن بأشياء جامدة وتصنف ضمن الممتلكات"([25]). كيف يمكن بعد ذلك القول بقطيعة بين تصور القرآن عن المرأة وبين التنظيم البطريركى للجنس ؟ في كلتا الحالتين، تعتبر المرأة متاعا وجمادا. في كلتا الحالتين، تظل غائبة – كذات وكإرادة وكرغبة – من الفعل الجنسي. إن الفعل الجنسي المشيئ يستغل، في نظر آيت الصباح، من طرف النظام القبلي البطريركى من اجل توطيد التراتب والسيطرة، كما إن التصور البطريركى حول المرأة والجنس استغل كعنصر عيني تاريخي في إقامة النظرية القرآنية حول النشاط الجنسي. وفعلا، ترى آيت الصباح إنه "داخل الخطاب السني، يتحقق الرجل المتحرك الحي عموديا في عالم يتحكم فيه بفضل إرادته، بيد إن المرأة تظل محرومة من الإرادة، أفقية وجامدة. إنها تستسلم للقوة التي تحرك الكون، القوة الذكورية، ويتحقق مبدأ السيطرة في / وبواسطة الفعل الجنسي، كما يظهر ويستمر في الوجود المبدأ التراتبي الذي هو العالم البطريركى"([26]).

إن تشييئ الفعل الجنسي لا يقف عند حدود تشييء المرأة. ذلك إن التشييئ يستحيل إن يبقى جزئيا فيشمل العلاقة بأكملها، بل وينسحب على الرجل كذلك في نهاية الأمر. الفعل الجنسي المشيئ – من طرف البطريركية والإسلام – فعل يعاني من الإخصاء: إنه مبتور من وظيفته الإنجابية (عند المرأة) واللذة (عد الرجل).

وفعلا، في إطار المنطق القدسي، لا يبقى الفعل الجنسي الوسيلة الضرورية والكافية للإنجاب، بل ويتحول إلى فعل غير ضروري وغير كاف عندما تنجب العجوز([27]) والبكر والمرأة العقيمة. على عكس ذلك، ليس من الأكيد إن تحمل لا المرأة الشابة ولا المرأة المتزوجة ولا المرأة الولود إذا تعارض ذلك مع الإرادة الإلهية. فالله إذن هو المنجب الحقيقي. وما المرأة إلا وعاء خاضع لمشيئة الله : "لله مالك السموات والأرض. يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما. إنه عليم قدير"([28]). إن القوانين الطبيعية تصبح واهية داخل منطق الحق الإلهي إلى درجة يمكن فيها الحديث عن بيولوجية قدسية معكوسة تجعل من المعجزة موضوعها الأساسي من جهة، وتحول الطاعة والاستسلام إلى شروط كافية للحصول على ذرية من جهة أخرى. من هنا، يبدو إن الإنجاب يتصل بمفهومي الجزاء والعقاب أكثر مما يتصل بالفعل الجنسي وبقوإنين الطبيعة. ومن ثمة، يجوز القول، في اعتقاد آيت الصباح، بأن الفعل الجنسي الإسلامي مخصي من بعده الإنجابي. والواقع، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، يشمل الإخصاء البعد الأساسي الثإني في الفعل الجنسي، أي بعد الرغبة. فالفعل الجنسي في الإسلام لقاء رباعي: إنه لقاء بين الرجل والمرأة والشيطان والله. لقاء الرجل والمرأة لقاء بين رغبة (الرجل) وشيء (المرأة). ومن ثمة فإن هذا اللقاء يشكل خطرا على المؤمن من حيث يفقده عقله وملكة التحكم في نفسه. إنه في نهاية الأمر لقاء مع الشيطان ووقوع في الفتنة. من أجل ذلك، نجد الإمام البخاري ([29]) مثلا يحث المؤمن على ذكر اسم الله عند بلوغ الذروة الجنسية. أما الإمام الغزالي([30]) فإنه ينص على ضرورة الذكر من بداية الفعل الجنسي إلى نهايته. إن اقل ما يمكن قوله بصدد الأذكار المصاحبة للفعل الجنسي هو "إنها تتطلب حضورا فكريا مناقضا للتركيز على جسد المرأة الذي يستلزمه هذا الفعل"([31])، حسب تعبير آيت الصباح. من هنا، يصبح الفعل الجنسي فعلا ميكانيكيا عضويا، يقوم به المؤمن وهو في حالة شرود ولا مبالاة بجسد المرأة. كيف يمكن في هذا الوضع السيكولوجي إن تنشأ علاقة عاطفية عميقة بين الرجل والمرأة ؟ والواقع إن هذا السؤال ليست له مكانة في التصور الإسلامي لإن العلاقة العميقة والحقيقية لا يجب إن تحدث بين الرجل والمرأة، وإنما بين الإنسان والله. لذا فإن كل الوسائل والتقنيات تستعمل من طرف التصور الإسلامي حتى تحول بين المؤمن وحب المرأة، ومن بينها الطلاق والتعدد. إن سهولة الطلاق تسمح للرجل بتغيير أزواجه بإيقاع سريع، الشيء الذي يعوقه من ربط علاقة عاطفية ومستمرة مع زوجة ما، كما إن تعدد الزوجات في إن واحد يسعى إلى نفس الهدف. واضح من هنا إن المقصد الحقيقي لمؤسستي الطلاق والتعدد هو تحويل طاقة المؤمن العاطفية عن المرأة وتوجيهها نحو العبادة. المؤمن المسلم يعاني إذن من تمزق في شخصيته، حيث تتجاذبه قوتان متناقضتان ومتصارعتان: الله والمرأة. والواقع إن المرأة، باعتبارها فتنة، لا عقل، لا مضبوط، ترمز إلى الشيطان. ومن ثمة فإن التمزق الحقيقي الذي يعاني منه المؤمن يكون بين الله وبين الشيطان. واضح من هذا التحليل إن النشاط الجنسي ظاهرة سلبية في المنظور الإسلامي:

  • إنه ليس شرطا ضروريا وكافيا للإنجاب،
  • إنه نشاط يبعد الإنسان عن العبادة وعن العقل،
  • إنه ظرف يوقع المؤمن في الحيوانية وفي الفتنة.

ومن ثمة، فإن "العلاقة الجنسية المثلى يجب ألا تكون علاقة بين رجل وامرأة يستطيعإن تعبئة طاقتهما العاطفية والفكرية من أجل الحصول على أجود متعة . يجب إن تكون العلاقة الجنسية المثلى تحريكا للجسم باعتباره تركيبا عضويا منعدم الأساس العاطفي، ومتمركزا حول الأعضاء التناسلية"([32]). من خلال هذا التصور الأوركانيكى للعلاقة الجنسية المثلى، يقضي الإسلام، في رأي آيت الصباح، على الرغبة، وبالتالي على العلاقة الجنسية الإنسانية. فالمرأة موضوع رهن إشارة الذكر، في كل الأوقات وفي كل الأوضاع. إنها الوعاء الذي يفرغ فيه الذكر طاقته الليبيدية حتى يتمكن من العبادة وهو مرتاح البال وغير متوتر. ما المرأة إذن إلا وسيلة تشكل الحقل الفيزيائي لممارسة جنسية صنمية Fétichiste، فهي لا تتحدد وتتموضع إلا بالنسبة لهذه الجنسانية . إن صنمية العلاقة الجنسية في الإسلام، حسب آيت الصباح، لمؤشر على الطابع التراتبي المؤسس للعلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والله . "إن هدف الإسلام هو توجيه قدرات الفرد الكامنة حتى يتحول إلى مؤمن، أي إلى كائن ينغمس كليا في طاعة وعبادة قوة مجردة عليا. إنه (الإسلام) لا يتحقق إلا من هذه العلاقة اللامتساوية. فالرجل، مثله في ذلك مثل المرأة ليس غاية في ذاته، إذ لا يتحدد إلا بحاجة كائن آخر : تتحدد المرأة بحاجة المؤمن الجنسية، ويتحدد المؤمن بحاجة الله في إن يعبد"([33]).

إن تقديم هذه النماذج المختلفة والمتناقضة يبين بشكل واضح إنه يستحيل التحدث عن موقف إسلامي واحد وموحد بصدد قضية المرأة والجنس. ذلك إن حضور الإيديولوجيا في البحث عن حقيقة النص المقدس يؤدي إلى قراءات متنوعة ومتعددة تتميز واحدة منها، في غالب الأحيان، عن القراءات الأخرى وتضع نفسها كالقراءة الوحيدة التي توصلت إلى الحقيقة . والواقع إن هذه العملية التي تفرض قراءة معينة، والتي تهمش – بل وتكفر – القراءات الأخرى، عملية لا تتم انطلاقا من ضرورة نظرية أكثر مما ترجع إلى إرادة قوة وسلطة.

يتجلى حضور الإيديولوجيا في البحث عن حقيقة النص المقدس في عمليتي الانتقاء والتأويل. الإيديولوجيا حاضرة في عملية الانتقاء حيث إن الباحث يبرز نصوصا معينة ويسكت عن نصوص أخرى يعتقد إن معناها لا يتفق والطرح الذي يدافع عنه. الإيديولوجيا حاضرة بالخصوص في عملية التأويل، حيث يمكن التمييز بين اتجاهين كبيرين:

- اتجاه أنطولوجي

وهو الاتجاه الذي يجعل من تصورات وأحكام القرآن والسنة قضايا نهائية غير قابلة للتغيير، وذلك لكونها تنطلق من تحديد لا تاريخي للذات البشرية . "النساء ناقصات عقل ودين" مثلا قضية تفهم حسب هذا الاتجاه على إن المرأة أقل ذكاء وتفكيرا من الرجل نظرا لطبيعتها الأنثوية الثابتة، وذلك مهما تغيرت الظروف والأحوال. لا أمل ولا سبيل للقضاء على هذا النقص، إنه صفة محمولة ومتضمنة حتما في ذات المرأة.

- اتجاه تاريخي

وهو الاتجاه الذي يرى في تصورات وأحكام القرآن والسنة قضايا ظرفية قابلة للتجاوز، ما دام قد تم تجاوز الوقائع التاريخية التي أنتجتها. "إن القرآن، حسب الطاهر الحداد([34])، لم يبوب لأحكامه بحسب الموضوع طبق الأصول النظرية في تدوين المبادئ والكتب. وبذلك كانت شريعته نتيجة ما في الحياة من تطور، لا إنها فصول وضعت من قبل لحمل الحياة على قبولها... ونحو عشرين سنة من حياة النبي في تأسيس الإسلام كفت بل أوجبت نسخ نصوص بنصوص وأحكام بأحكام اعتبارا لهذه السنة الأزلية... إنما الإسلام دين الواقع وبتطوره يتطور، وذلك سر خلوده".

هذان الاتجاهان، الأنطولوجي والتاريخي، في التأويل يعكسان موقفين متمايزين :

-موقف محافظ يتشبث بدونية المرأة ولا يعيد النظر في المسلمة الجذرية اللامعقلنة: اللامساواة الأنطولوجية بين الرجل والمرأة.

-موقف يرى إن الفرق البيولوجي بين الرجل والمرأة لا يعنى التفوق الاجتماعي ولا يبرر استغلال جنس لآخر. إن الاختلاف الجنسي كظاهرة بيولوجية ظاهرة صامتة، بمعنى إنها لا تحمل أي دلالة اجتماعية في ذاتها. إن المجتمع البطريركى التراتبي هو الذي يجعل من هذا الاختلاف اختلافا دالا من أجل تبرير التراتبية الجنسية.

حقا، منح الإسلام الأصلي حقوقا للمرأة ([35]) يمكن اعتبارها ثورة بالنظر إلى إطارها المرجعي التاريخي (المجتمع البطريركى الجاهلي). لكن هذه الحقوق، رغم جرأتها التاريخية، لم تعد النظر آنذاك في الإيديولوجيا الجنسوية Sexiste السائدة. وبالفعل ، نجد الإسلام الأصلي النموذجي يقر :

1 – سلبية المرأة : المرأة شر، المرأة كيد ، المرأة فتنة، المرأة شيطان،

2 – حدود جنسية تراتبية : أولوية المذكر شيء لا يحتمل الشك([36]).

3 – تقديم المرأة من خلال النموذج الزراعي (المرأة / الأرض / الحرث) والنموذج التجاري (المرأة المتاع زينة الحياة الدنيا).

إن اختزال الإسلام في هذه الصورة (حقوق جزئية / تصور ذكوري) يجعل منه موقفا لا نسويا يعوق حركة تحرر المرأة في البلدان الإسلامية. ومن ثمة، فإن استمرار الإسلام في العالم المعاصر يستلزم عدم الوقوف عند أنطولوجية النصية، أو بتعبير أدق، عند نصيته المقدسة التي تحولت إلى نموذج أنطولوجي.

أليس الربط الذي قام به القرآن ومفهوم الحقوق أهم بكثير من الحقوق الفعلية (والناقصة بالنظر لتطلعات العصر الحاضر) التي منحها للمرأة ؟ أليس هذا الربط بداية لمسلسل لا يمكن إن يتوقف، قرإنيا ومنطقيا وتاريخيا، ما دامت المرأة في وضعية دونية؟ هل جاء الإسلام ليحقق المساواة والعدالة الاجتماعية، أم جاء ليعطي طابعا مقدسا لتفوق الرجل على المرأة

إن الإقرار بالمساواة كغائية الإسلام الحقيقية يلزم عنه:

1 – ضرورة الاعتراف بضرورة استمرار الاجتهاد.

2 – ضرورة التخلي عن نموذج السلف، باعتباره صالحا في حدود حاجيات وإمكانيات عصره بالأساس.

إن القول بإسلام نموذجي لا تاريخي يخرق العصور قول خطير على مسايرة الإسلام للتاريخ. يجب على العكس من ذلك الذهاب إلى إن لكل عصر إسلامه النموذجي الخاص الذي يصغي إلى الواقع، والذي يسعى إلى تحقيق حاجيات وإمكانيات ذلك الواقع. ذلك شرط استمرار الإسلام كرسالة إنسانية واجتماعية. محكوم على الإسلام أن يظل مفتوحا (استمرار النزول) ما دام التاريخ مفتوحا.

[1] - عباس محمود العقاد : " المرأة في القرآن " – دار نهضة مصر للطبع والنشر – القاهرة – 1976 . ص 6.

[2] - علال الفاسي : " النقد الذاتي". لجنة نشر تراث زعيم التحرير علال الفاسي. الطبعة الرابعة – الرباط . 1979 . ص 301 .

[3] - نفس المرجع . ص 268 .

[4] - علال الفاسي : " النقد الذاتي " . مرجع مذكور. ص ص 268 – 269 .

[5] - " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة" . البقرة "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعهم على بعض وبما اتفقوا من أموالهم" . النساء.

[6] - عباس محمود العقاد : " المرأة في القرآن " . مرجع مذكور . ص 7.

[7] - نفس المرجع ص 7.

[8] - عباس محمود العقاد : "المرأة في القرآن " . مرجع مذكور ص 9.

[9] - عباس محمود العقاد : " المرأة في القرآن" . مرجع مذكور. ص 136.

[10] - نفس المرجع ، ص 137 .

[11] - محمد عزيز لحبابي : "الشخص في الإسلام، شرط المرأة" . دعوة الحق. عدد : 9 – 10 . السنة الحادية عشرة . غشت 1969.

[12] - الطاهر الحداد : "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" . الدار التونسية للنشر. النشرة الثانية. 1972 . ص 21 ..

[13] - سورة البقرة. الآيات 225 – 226 .

[14] - A. Bouhdiba : « La sexualité en Islam » . Paris PUF 1975.

[15] - Ibid. o. 171 . Traduction personnelle.

[16] - Ibid . p. 105 .

[17] - A. Bouhdiba : La sexualité en Islam , op : cit . p. 122 .

[18] - Ibid . p . 24.

[19] - Ibid . p 44.

[20] - Ibid. p. 44.

[21] - A. BOUHDIBA : « La sexualité en Islam » .op . cit . p 129.

[22] - Fatna Aït Sabbah : « La femme dans l’inconscient musulman : Désir et Pouvoir. Paris . Le Sycomore 1982.

[23] - سورة آل عمرإن . آية 13

[24] - من أجل تعزيز هذه الفكرة، تستشهد فاطنة آي الصباح بآية اخرى : "نساؤكم حرث لكم، فاتوا حرثكم أنى شئتم". البقرة . 220.

[25] - F. Aït Sabbah : « La femme dans l’inconscient musulman » op. cit. P. 77

[26] - Ibid. P. 78.

[27] - مثال زوجة إبراهيم يبين إن الشيخوخة ليست مإنعا ضد الإنجاب : "… فبشرناها بإسحاق. ومن وراء إسحاق يعقوب. قالت يا ويلتي أألد وإنا عجوز وهذا بعلي شيخا. إن هذا لشيء عجيب. قالوا أتعجبين من أمر الله". سورة هود. آيات 69 – 71 .

- مثال مريم والبكر الحامل : "قالت إنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك قال ربك هو على هين... فحملته فإنتدبت به مكانا قصيا" . سورة مريم. الآيات 18-20.

- امرأة زكرياء والعاقر الحامل : "وإنى خفت الموإلى من وراءى وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا… يرثني ويرث من آل يعقوب... يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى... قال رب إنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا. قال كذلك قال ربك هو علي هين". آيات 3-7.

[28] - سورة الشورى . آيات 45 – 46 .

[29] - الإمام البخاري : الصحيح.

[30] - أبو حامد الغزالي : "إحياء علوم الدين. كتاب الزواج".

[31] - F. Aït Sabbah « la femme dans l’inconscient musulman » op. cit. p. 183.

[32] - F. Aït Sabbah « La femme dans l’inconscient musulman » op. cit. p. 195.

[33] - Ibid. p. 199.

[34] - الطاهر الحداد : "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". مرجع مذكور. ص ص 22 – 28.

[35] - حقوق المرأة في الإسلام الاصلى النموذجي :

  • حق الحياة (تحريم واد البنات)
  • حق الملكية – حق التبرع – حق التصرف.
  • حق الإرث
  • حق اختيار الزوج
  • حق الشهادة
  • حق التطليق – الحق في المتعة
  • حق الحضانة.

[36] - "إن أولوية المذكر أساسية في الإسلام. لكن القرآن لا يتجاهل رغم ذلك المؤنث الأبدي. فالفرق بين الرجل والمرأة ما هو في نهاية المطاف سوى درجة يتيمة صغيرة ! " عبد الوهاب بوحديبة : « La Sexualité en Islam" . op . cit. p 31 .

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
11 septembre 2015 5 11 /09 /septembre /2015 13:31

عبد الصمد الديالمي

المرأة والجنس في المغرب

دار النشر المغربية، الدار البيضاء

1985

مقدمة

إن إحدى المهام الرئيسية الملازمة لكل مقدمة هي، حسب رأينا، مهمة الإزعاج والإقلاق. ذلك إن المقدمة لا تمد القارئ بمعلومات جاهزة وقابلة للاستهلاك النظري بقدر ما تطرح أمامه إشكالات تجعله يفكر ويتساءل ويبحث.

وحتى يتسنى لنا إن نكون مخلصين لهذه الفكرة، نبدأ بمساءلة الفلسفة اللاشعورية التي تقوم عليها دراستنا هذه، باعتبارها شرطا أساسيا من شروط قيامها وظهورها إلى الوجود. فمما لا شك فيه إن الهدف الرسمي لدراستنا هدف معرفي ونظري، بمعنى إنها تنطلق من اقتناع حقيقي بإمكانية تحليل الموضوع تحليلا علميا. وأكيد إن مثل هذا الاقتناع يندمج حتما في إطار الفلسفة الوضعية، باعتبارها النفس الإيديولوجي الذي يهيمن (مبدئيا) على المؤسسة الجامعية بأكملها. فلا شيء في نظر هذه الفلسفة يستطيع التمرد على قوة الخطاب العلماني أو على حتميته، حيث إن كل موضوع قابل للمعرفة وللتنظير. ومن هنا، يتبين لنا إن إقدامنا على بحث جامعي ضرب من الإيمان الموضوعي بالفلسفة الوضعية، ومساهمة في إرساء سيادة الخطاب العلمي والعقلاني.

وفعلا، لقد انطلقنا، في دراستنا بالمغرب، من مصادرة تقتضي إن هذا الموضوع قابل بدوره للتحليل الموضوعي والعلمي، بل هو في أشد الحاجة إلى ذلك، فليس الجنس هو الموضوع الوحيد الذي يتميز بالخصوبة والتعقد، وإن كان هو الموضوع الذي يعرف الكبت والتهميش بالأساس. ولعل هذا هو الدافع الأول الذي قادنا إلى مقاربة هذا الحقل الممنوع، مثل ذلك الطفل الذي لا يرتاح إلا إذا تحدى المنع. والواقع إن مقاربة هذا الحقل من طرفنا لا تنتج عن رغبة مجانية في تحد مجاني، وإنما هي وليدة رغبة في تعرية ميكانيزمات الاستغلال والقمع التي تهيمن عليه، بل والتي تؤسسه كحقل ملعون.

من البديهي إن صعوبات متنوعة واجهتنا طيلة هذا البحث، لكننا لم نرجعها أبدا إلى وقاحة الفلسفة الوضعية أو إلى طبيعة الموضوع (المحرم)، وإنما رأينا فيها دليلا على ضرورة تنويع الأساليب المنهجية والمعرفية في مقاربة الموضوع.

وفعلا، حاولنا، بصفة عامة، التأليف بين موقفين متعارضين، حسب النزعة الوضعية نفسها وبالخصوص، بين موقف فلسفي يستهدف الشمولية والتنظير وبين موقف سوسيولوجي يحاول الإصغاء إلى الواقع في تفاصيله اليومية والبسيطة. ومن ثمة، يمكن إدراك هذا العمل بمثابة تجاوز لموقف الفيلسوف الذي لا يأبى النزول إلى مستوى الواقع العيني من جهة، ولموقف عالم الاجتماع الذي يقف عند لغة الأرقام والملاحظات الجزئية. وبالفعل، حاولنا عدم الوقوع في الإعجاب الساذج بالتقنيات السوسيولوجية الميدانية، وبالتالي في مصيدة الإمبريقية، أي الواقع الذي يتحدث قبل ودون إن نوجه إليه السؤال. وبالمقابل، تجنبنا كذلك مزلقة المثالية التي تقتضي إن الواقع لا يساهم في إنشاء المعرفة، وإن العقل الفلسفي غنى عن إن يتلقى درسا من أعراض الواقع يساعده على إقامة النظرية الحقة.

ورغم هذا التنقل بين النظرية والواقع، أو على الأصح بفضل هذا التمزق نفسه، لم نستطع أبدا التوصل إلى هدوء الفيلسوف عند تحقيق النسق système أو إلى فرحة عالم الاجتماع عند ترييض mathématisation الإنسان. فالجنس يطرح على الفيلسوف قضية أبعاده الأنتربولوجية، ويطرح على عالم الاجتماع السؤال الميطافيزيقي : ماذا وراء كل بحث وضعي عن الجنس ؟ وماذا وراء الجنس؟

وأكيد إن المشكل أكثر حدة بالنسبة لعالم الاجتماع، باعتباره الإنسان الذي يدعي القدرة على إنتاج خطاب علمي، قابل للمراقبة، حول الجنس. إن علاقة عالم الاجتماع بالجنس ليست علاقة مباشرة وواضحة، بمعنى أن " خطابه العلمي" ينطلق حتما من خطاب لا علمي ويتوسطه خطاب أصلي وأول، نجده إما في النظريات الاجتماعية حول الجنس، وإما في الإيديولوجيا الوضعية التي تحرك عالم الاجتماع دون إن يعي ذلك في غالب الأحيان. وبديهي إن الأمر لا يدرك على هذا النحو من طرف عالم الاجتماع المؤمن (بعلمية خطابه)، حيث يعتبر تقنياته المنهجية حصانة ضد الإيديولوجيا وأداة محايدة للوصول إلى العلم وإلى التخلص من كل العوائق الإبستمولوجية. أليس في هذا الموقف وقوع في مغالطة مزدوجة؟ فمن جهة يضع عالم الاجتماع نفسه خارج أو فوق المجتمع المدروس وبالتالي فإنه يتوهم في نفسه القدرة على التحكم في كل الرواسب الإيديولوجية. ومن جهة أخرى، يعتقد إن أساليب الاقتراب الوضعي لا تحمل في ثناياها خطابا ضمنيا (لامعقلنا ومكبوتا) عن الجنس، يجعله شيئا قابلا للقياس الرياضي. وبتعبير أدق : هل يمكن الانتقال بموضوع الجنس من الإيديولوجيا إلى العلم؟ أليس ترييض الجنس انتقال به من إيديولوجيا إلى إيديولوجيا مغايرة فقط؟ إلى أي حد يمكن التمييز بين النظرية الاجتماعية والنظرية السوسيولوجية؟ ألا يجب إن نرى في هذه التساؤلات عقدة الفيلسوف التي تتستر وراء النقد الإبستمولوجي؟

أكيد إن دراسة الجنس لا تخرج، في إطار هذا البحث، عن تساؤلات اجتماعية وتاريخية معينة يمكن إجمالها في النقط التالية :

  • ما موقف الإسلام من الجنس ؟

- ما موقف السلطة من الجنس ؟

-ما موقف الشباب المثقف من الجنس ؟

هل يمكن القول إن قضية الجنس موضع صراع بين الإسلام وبين الشباب؟ ألا يمكن للشباب المغربي إن يعثر على شيء يرضيه في التصور الإسلامي حول الجنس؟ وهل للشباب موقف منسجم تجاه الجنس؟ ما مكانة السلطة من هذا الصراع ؟ هل للسلطة موقف واضح ومتماسك بصدد الجنس؟ هل تلعب السلطة دور الحكم بين الإسلام والشباب؟ تساؤلات يمكن إن تبدو ساذجة …

إن الاحتكاك بالفكر الغربي حوًل الاختلاف التقليدي في الحقوق – بين الرجل والمرأة – إلى ظاهرة سلبية تعبر عن اللامساواة، عن الاستغلال وعن التخلف. ومن ثمة، فإن العلاقة التقليدية بين الرجل والمرأة أصبحت بدورها مظهرا من مظاهر الأزمة الاجتماعية في المغرب، بحيث أصبحت بدورها قابلة للتغيير، بل خاضعة إلى ضرورة التطور نحو نموذج تعادلي وديمقراطي. فلا شيء يدل، في منطق هذا النموذج الجديد، على إن الوظائف والقيم التي احتكرها الرجل ترتبط بهذا الأخير من حيث هو بيولوجيا، بمعنى إنها ملازمة لطبيعته بغض النظر عن كل التحولات التاريخية الفعلية والممكنة. إن الموقف التاريخاني والعقلاني السائد اليوم اكتسح تدريجيا حقل الجنس، وشمل علاقة الرجل بالمرأة. فالمساواة، كقيمة عقلانية، مساواة بين المرأة والرجل كذلك : مساواة في الحقوق، الحق في التعليم، الحق في العمل، الحق في التصويت، الحق في السلطة، الحق في اللذة …

إن تاريخ سيادة الرجل ينحل في نهاية الأمر إلى سيادة ثلاث قيم: العقل والسلطة والمتعة. وبديهي إن عالم المرأة تشكل على نقيض هذه القيم الثلاث، فانقسم العالم إلى عالمين تطبعهما علاقة صراع واستغلال واضطهاد… لكن هذا الانقسام المعنوي للعالم كان يبدو طبيعيا ومشرعا، نظرا لكونه يتأسس على اختلاف بيولوجي غير قابل للمعالجة، وغير قابل للاختزال. فالمنظور البطريركي، باعتباره الأداة الذهبية السائدة عبر التاريخ البشري، تحول إلى نسق شبه طبيعي بعد ما حول الاختلاف البيولوجي بين المرأة والرجل إلى لا مساواة اجتماعية وإلى علاقة سيطرة واستغلال. والواقع إن منطق المنظور البطريركي لا يخلو من قوة لأنه يرى في التقسيم الجنسي للعمل استمرارا متوازنا للاختلاف البيولوجي الثابت. ومن ثمة، فإن تاريخ قمع المرأة تاريخ مشروع لأنه، حسب ذلك المنظور ، يرتكز على معطيات طبيعية غير قابلة للنقاش.

من المحتمل إن هذا النمط من التفكير مرتبط بضرورات المجتمعات العبودية والإقطاعية، ومنطق المجتمعات الماقبل رأسمالية بصفة عامة. ومن المحتمل كذلك إن تكون الثورة البورجوازية ثورة (جزئية) منفعية على المانوية الجنسية من حيث إنها أفرزت مبادئ الحرية والمساواة من أجل إدماج المرأة في مسلسل الإنتاج الرأسمالي. وبالطبع فإن ذلك الإدماج يعتبر مجرد تحرير للمرأة وليس استغلالا من نوع جديد وأعمق بالنسبة للكثير من المدافعين عن الثورة البورجوازية. بتعبير آخر، يمكن الحديث عن كبت وتهميش المحرك الاقتصادي باعتباره الدافع الأساسي والأول في كل خطاب عن تحرير المرأة .

على كل، أصبح الكل يطالب اليوم بمساهمة المرأة، نصف المجتمع، في وضع العقل، في إدارة السلطة وفي استهلاك اللذة. ويبدو جري المرأة وراء هذه القيم بمثابة انتصار لا مباشر للرجل لأن تلك القيم ارتبطت به. والواقع إن هذا الارتباط مجرد ظاهرة تاريخية لا علاقة لها بالحتمية البيولوجية. وبالمثل، فإن التزاوج بين مبدأ الإنتاجية ومبدأ المساواة بين الجنسين ارتباط ظرفي بدوره، الشيء الذي لا يقلل من قيمة المساواة في حد ذاتها.

تاريخ العلاقة بين الرجل والمرأة تاريخ يتجه إذن نحو التماثل، ضرورة القضاء على الفواق الاجتماعية المتولدة عن الاختلاف الجنسي. وفي سياق هذه الخلاصة، يمكن وضع السؤال التالي: كيف يمكن تأسيس التماثل انطلاقا من اختلاف غير قابل للاختزال différence irréductible ؟

سؤال فلسفي ؟ سؤال يضع إلى السوسيولوجيا، وإلى النزوع نحو التماثل تعبير عن رغبة العودة إلى حالة وحدة تماثلية أصيلة، تتجلى في أسطورة الخنثىMythe de l’androgyne ؟ هل الاختلاف البيو-تاريخي ملازم فقط للحضارات الإبراهيمية لكون ميطافيزيقتها الخفية ميطافيزيقية ثنائية مانوية ؟

إن طرح المشكل الميطافيزقي لا ينبغي إن يشل العمل النظري والاجتماعي من أجل عقلنة وتحرير الحقل الجنسي. ذلك إنه لا يمكن انتظار حل القضية الميطافيزقية لما للقضية الاجتماعية من مباشرة وحرارة. لربما يتضمن البدء بالتصدي إلى الجنس / القضية الاجتماعية موقفا من الميطافيزقا بشكل عام. وبالفعل ألا يمكن القول إن الميطافيزقا تشكل حقلا نبيلا وممارسة لا متناهية يتستر وراءها الرجل من أجل الاحتفاظ بامتيازاته؟ أليست الميطافيزقا الحقل الذي تترعرع فيه عقدة التفوق، عند الفيلسوف .. وعند الرجل.

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
5 juillet 2015 7 05 /07 /juillet /2015 12:16

Voici le résumé de la communication que j’ai faite le 30 juin lors de la rencontre sur la responsabilité des hommes dans l’égalité de genre. Cette rencontre a été organisée conjointement par « ONU Femmes » et par le « Conseil Economique, Social et Environnemental » au siège de ce dernier à Rabat.

Interrogeant la domination masculine, cette hiérarchisation patriarcale perçue comme une donnée naturelle et consacrée par les religions monothéistes, trois théories explicatives sont à exposer.

La première, la théorie biologique préscientifique, affirme qu’il existe un seul sexe, le sexe mâle (pénis), complet chez les hommes, incomplet et inverti chez femmes. Cette supériorité biologique du mâle se traduit « naturellement » et se continue dans et par la supériorité sociale de l’homme. Différents en degré, donc inégaux. Cette théorie a été reprise par la psychanalyse à travers la célèbre phrase de Freud, "l'anatomie, c'est le destin". N'avoir pas de pénis expose à l'infériorité sociale. Et ce manque de pénis conduit la femme à l'envie de pénis, à la subordination (sexuelle) au mâle, et à la soumission sociale à l'homme.

La deuxième théorie, marxiste, rattache la domination masculine/apparition du patriarcat à l’appropriation des moyens de production, la terre en l’occurrence, par les hommes. Cela a conduit à une division sexuelle du travail (production/reproduction) et de l’espace (public/privé) en défaveur des femmes. A considérer la femme elle-même comme une terre à labourer (au profit de son propriétaire et maître, l’homme en l’occurrence).

La troisième théorie est celle de l’anthropologie qui affirme que les femmes ont été, dans toutes les sociétés humaines, un objet d’échange entre les hommes dans l’institution du mariage. Pour la femme, l’accès à la sexualité, soumis au devoir du mariage, passe par l’autorisation rituelle accordée par le père ou le frère, par un tuteur masculin de manière générale. « Tel homme donne une femme à tel autre homme en mariage » est une loi sociale et sociologique qui a traversé l’histoire humaine jusqu’à la révolution sexuelle des années 60. Cette révolution a libéré la sexualité féminine de la hantise de la grossesse involontaire et illégale grâce à la découverte de la pilule contraceptive et lui a permis de s'exercer sans crainte de représailles masculines.

La découverte du spermatozoïde et de l’ovule a conduit à ne plus considérer la femme comme un mâle inférieur et incomplet. D’autre part, la critique féministe américaine du machisme a remis la masculinité en question pour montrer qu’elle est un objet patriarcalement construit comme domination, et par conséquent appelé à être déconstruit comme domination. Du coup, l'on est passé à un autre paradigme, "différents (en nature), mais égaux". La masculinité est alors devenue un objet de recherche académique à partir des années 70 pour aboutir à l'élaboration du concept de masculinité hégémonique( Connell). Celle-ci est définie comme une identité socialement construite et idéalisée qui sert à perpétuer les inégalités entre les hommes et les femmes, mais aussi entre les hommes eux-mêmes.

A partir de ce corpus théorique, j’ai tenté de voir, dans mon étude « Identité masculine et santé reproductive au Maroc » (MERC, Fondation Ford, 2000), comment l’homme marocain définit la masculinité (ses profils psychosocial, sexuel et juridique) et jusqu’où il est prêt à accepter une masculinité nouvelle, anti-patriarcale, au service de l’égalité de genre. De quels traits patriarcaux l’homme marocain est-il disposé à se départir dans son rapport de domination à la femme, de santé reproductive et sexuelle, d’éducation parentale? Définit-il encore l'homme violent envers la femme comme l'homme véritable? Commence-t-il à y voir au contraire un faux homme, un homme de second rang?

Après la présentation de quelques résultats-réponses à cette problématique à partir de mon étude sus-indiquée (et publiée par le CODESRIA à Dakar en 2009 sous le titre "Vers une masculinité nouvelle au Maroc"), je suis arrivé à la conclusion suivante : si une tendance anti-patriarcale au changement des normes du genre se dessine au Maroc, il existe encore, et de plus en plus aujourd’hui, une tendance contraire au durcissement de la masculinité hégémonique, c’est à dire un fort attachement au pouvoir masculin. Celui-ci est légitimé par une lecture intégriste littérale du texte religieux, lecture portée par une église masculine informelle (foqaha et prédicateurs) en mal de pouvoir (politique), et par des masses d’hommes analphabètes et semi-analphabètes en perte de pouvoir économique (qui servait de base à leur domination sur les femmes).

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article
20 juin 2015 6 20 /06 /juin /2015 11:18

الدكتور عبد الصمد الديالمي

كلية الآداب، فاس.

فاس، في 23 دجنبر1998

الأستاذ حميد اتباتو، "الأحداث المغربية"، الدار البيضاء

تحية طيبة وبعد،

أشكرك على نشر الحوار الذي أجريته معي بأمانة، ويسرني أن أبعث إليك (للمرة الثالثة) هذا المقال قصد توضيح ما ظل غامضا في الحوار. وأرجو منك اعتماد هذه النسخة بدل نسخة البريد.

هذا وأرجو منك كذلك إرجاع الصور التي لم تستعمل، فهي شهادات مادية على ذكريات أود الاحتفاظ بها.

مع فائق عبارات التقدير لك وللأحداث المغربية.

نحو إسلام علماني

الدكتور عبد الصمد الديالمي

أربع مقدمات

- الكثير ينتظر الجواب...الكثير من الزملاء أوحوا إلي بالاستراتيجيات التي ينبغي نهجها للردعلى الفقهاء...الكثير ينتظر استئناف "المباراة" بين عالم اجتماع وفقهاء. تعجبت كثيرا لموقف المثقفين هذا، إذ عوض أن يشارك كل مثقف بقلمه وآراءه في هذا النقاش الفكري الهام، أحسست أن مساندة المثقفين العلمانيين لمواقفي العلمانية لن تجد لنفسها الشجاعة الكافية للتعبير عن نفسها صراحة. أحسست أن المثقف العلماني يكتفي بالقول أن المثقف عليه أن يكون نقديا دون أن يمارس فعلا ذلك النقد الذي يطالب به نفسه، خصوصا عند ما يتعلق الأمر بالإسلام. طغيان الحسابات، مصالح شخصية ورهانات أقوى من واجب النقد. هل الإسلام هو السقف الذي يقف عنده حس النقد عند المثقف المغربي؟ مرة أخرى، أحس بالوحدة...

- أود أن أقول كذلك أن عناوين الحوار الذي أجرته "الأحداث المغربية" من وضع الجريدة، بمعنى أن "الأحداث المغربية" هي التي انتقت تلك الجمل من الحوار وحولتها إلى عناوين بارزة. وأعتقد أن هذا من حقها ويعكس ما بدا لها أكثر أهمية في الحوار. وتعجبت شخصيا لعدم إبراز أية جملة تتعلق بالجنس أو السيدا أو النسائية أو الحركات الأصولية مع العلم أنها المواضيع التي أساهم بكل تواضع في تأسيسها وتوحيدها في نفس الحركة المعرفية...كان تحويل الفكرة القائلة بأن "لا اجتهاد مع النص ليس آية قرآنية..." إلى عنوان ضخم في الصفحة الأولى مناسبة للتأكد من قوة "الأحداث المغربية" كجريدة يومية. فقد سبق لي أن اقترحت نفس الفكرة في مناسبتين : الأولى سنة 1987 في كتابي "المعرفة والجنس" والثانية سنة 1991في مقالتي "في العقل الجنسي المغاربي" دون أن يؤدي ذلك إلى ردود فعل تذكر، الشيء الذي يدل إما على عدم اهتمام الفقهاء بالأبحاث في سوسيولوجيا الفقه، وإما على الاقتناع بعدم "خطورة" الاقتراح نظرا لمحدودية انتشاره عبر الكتاب والمجلة. إن نشر اقتراح الاجتهاد ضد قاعدة الاجتهاد التقليدية على صفحات جريدة "الأحداث المغربية" اليومية هو الذي جعله يثير قلق الفقيه، فالجريدة اليومية تخاطب بالفعل جمهورا أوسع لم يتعود على وضع الفقه وأصوله أمام السؤال السوسيولوجي. هل يدل الرد-فعل الفقهي على إرادة الإبقاء على الخلط الشعبي بين الفقه والمقدس؟ إن تدبير الفقه للمقدس في بعده التشريعي لا يعني أن الفقه مقدس في ذاته، إنه مجرد ممارسة معرفية تسعى إلى استنباط معايير السلوك الفردي من النص المقدس. ومن المشروع جدا أن نساءل الفقيه عن كيفية تدبيره للفعل التشريعي وأن نساءل الفعل الفقهي عن شروطه الاجتماعية.

-المقدمة الثالثة تتعلق بتدخل عالم الاجتماع في الدين وفي دراسته. إن تدخل عالم غير فقيه (بالمعنى الاصطلاحي) في الدين لا يعني أنه عالم غير متخصص، إذ أن الدين أحد مواضيع علمي الاجتماع والتاريخ (على الأقل).ومن ثم لا يمكن اتهام العالم في سوسيولوجيا الدين بالجهل، إنه فقيه (بالمعنى اللغوي) في الدين. لكن السؤال الأهم الذي يطرح هنا هو: لماذا يقود اقتراح أطروحات غير مألوفة إلى التشكيك في إيمان صاحبها؟ لماذا لا نتساءل عن دور الإيمان في الفعل المعرفي إلا عند ما يتعلق البحث بالإسلام؟ هل ينبغي أن يدفع الإيمان بالباحث المسلم إلى الدفاع الأعمى عن الإسلام ضد الموضوعية العلمية؟ ألن يضعف دفاع الباحث اللامشروط عن الإسلام من قوة القول ومن صورة الإسلام؟ إن التشكيك في إيمان الباحث العلماني أو اتهامه اللامبرر بالجهل ردود معتادة عند الفقيه (يطمئن بها نفسه) وآليات دفاعية يوظفها لتحويل الحوار العلمي إلى تفتيش ومحاكمة وللاستحواذ المعرفي على الحقل الديني. آليات تعبر عن إرادة سلطة، وهذا أمر طبيعي في نهاية التحليل بالنظر إلى إمكان تعريف الفقيه كخليفة في قاعة انتظار. ففي مقابل ثنائية الفيلسوف-الملك عند الفيلسوف، هناك ثنائية الفقيه-الخليفة عند الفقيه، وكلاهما ظل في قاعة انتظار على مر التاريخ.

- بعد الإقرار بأن النص القرآني نص سماوي فوق كل علم وضعي، لابد من الاعتراف لعالم الاجتماع بالحق في معالجة الدين، أي مجموع القراءات الإسلامية للقرآن، كموضوع معرفة وضعية. الفعل السوسيولوجي يجعل من الإسلام مجموع القراءات التاريخية للقرآن، ويرى في السلوكات الدينية مرآة للأصول والشروط الاجتماعية. أسئلة "هل أنت مؤمن؟، هل تصلي؟ هل تصوم...؟ أسئلة من اختصاص عالم الاجتماع ويطلب منه أن يطرحها على المواطن في المجتمع الديمقراطي، لا من أجل التفتيش والتكفير، بل من أجل تنوير وترشيد صنع القرار الديني أو السياسي. إذا اعتبرنا الإيمان والوحي (بالمعنى الاصطلاحي أي كتنزيل للقرآن) أمورا ما فوق عقلية خارجة عن نطاق المعرفة العلمية، فإنه من الواجب على العكس من ذلك أن ندرك في الإسلام، أي فيما نستخرجه من القرآن قصد تنظيم المجتمع وتهذيب الفرد، ظاهرة اجتماعية كلية تتكون من جوانب متعددة : مذهبية، حركية ومؤسساتية. تلك الجوانب ظواهر فقهية، فلسفية وتصوفية، أي تاريخية وجغرافية، اقتصادية وثقافية، حضارية ونفسية...بهذا المعنى، يشكل الإسلام مجموعة من ظواهر نسبية، عرضية بالمعنى الأرسطي وحتمية كتاريخ... ومن ثم يشكل الإسلام، ككل دين، موضوعا للعلوم الوضعية، الإنسانية منها والاجتماعية على وجه الخصوص (تاريخ الأديان، سوسيولوجيا الدين...). ارتحت جدا عند اعتراف المؤتمر الإسلامي الثاني لوزراء الثقافة (12 - 14 نوفمبر 1998 بالرباط) بضرورة "إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بما ينبغي الالتزام من الصدق والنزاهة تحقيقا للحق...". وأنتظر اليوم الذي تعترف فيه مؤسسة إسلامية بضرورة سوسيولوجيا الإسلام كذلك. إن تدخل عالم الاجتماع يبحث في السؤال "كيف هو تدين الناس؟ وهو سؤال ليس بالجديد في المغرب إذا أخذنا بعين الاعتبار كل التراكم الأنتربو-سوسيولوجي حول الطرق الدينية. أما تدخل الفقيه فتدخل تصحيحي معياري يبحث فيما يجب أن يكون عليه تدين الناس انطلاقا من تدبيره الذاتي للنصوص. لا بد من الاقتناع بشيء أساسي : الله وحده يعلم الإسلام الحقيقي. وبالتالي، من حق عالم اجتماع الإسلام كذلك أن يقرأ النصوص المقدسة قصد بناء نظرية اجتماعية إسلامية تختلف عن النظريات الاجتماعية الفقهية من حيث أنها تعمل على تأسيس مجتمع إسلامي علماني وديمقراطي. في هذا الاتجاه، أصوغ الأطروحات التالية.

سبع أطروحات

الأطروحة الأولى

تكمن في ضرورة التمييز بين القرآن كنص سماوي مقدس مرجعي ثابت والإسلام كمجموع التأويلات البشرية التطبيقية للقرآن. إن السنة النبوية الشريفة أول قراءة للقرآن وأول تدبير تطبيقي له. انطلاقا من هنا، ينبغي أن يعرف الإسلام كمجموع النظم الاجتماعية-السياسية التاريخية : إسلام راشدي، إسلام عباسي، إسلام فاطمي، إسلام مغربي، إسلام إيراني، إسلام هندي، إسلام أسود... كل تلك النظم وغيرها تسعى إلى شرعنة ذاتها انطلاقا من النص القرآني. لا بد إذن من تسجيل الاختلاف، وفي الاختلاف ضرورة الحوار وقبول الآخر... "في اختلاف الأمة رحمة" معناه أن القرآن واحد والإسلام متعدد، معناه أن القرآن جوهر والإسلامات أعراض... فكل قراءة إسلامية تأويل تطبيقي وتاريخي للقرآن، وكل إسلام تطبيقي بالضرورة وعرَضا بالضرورة. كتاب الله وإسلامات المسلمين ثنائية تفرض نفسها وأعني بها أن القرآن هو الجوهر، أن العقائد والعبادات هي الثابت وأن المعاملات هي الأعراض. إن المعاملات هي المتحول الذي يسمح بالتحدث عن الإسلام في صيغة التعدد والجمع وبتعريف الإسلام كمجموع النظم الاجتماعية-التاريخية التي تجعل من القرآن مرجعيتها العليا. والمعاملات هي المؤهلة لتكون حقل الاجتهاد الملائم، أي رغم وجود النص وضد معناه الظاهر.

الأطروحة الثانية

إن سعي الفقهاء و"الاصوليين" إلى إنتاج مجتمع يكون تطبيقا ميكانيكيا للمعنى الظاهر للنص القرآني دليل على ضرورة إعادة تكوين الفقيه وتزويده بالعلوم الاجتماعية كمنظور وكمضمون حتى يتمكن من المساهمة في إنتاج إسلام ملائم. وهو سعي يؤشر كذلك على أزمة هوية. إن ضعف المسلمين الناتج عن التبعية يقود إلى الحاجة إلى تحجير الإسلام وتجميده، أي إلى تحويل قراءة نصية ظاهرية ونسبية إلى إسلام صحيح أو حقيقي يُطمئن الذات ويريحها من قلق الاجتهاد، بل ويوهم بعودة الهوية وبالعودة إليها وكأنها أصل أسطوري يعلو التاريخ...لم يعمل الفقهاء المتأخرون إلا على تحجير الإسلام وتأخيره في حين أن المطلوب هو إصلاحه.

الأطروحة الثالثة

من الضروري إنتاج تعريف إجرائي للمجتمع الإسلامي. فما هو المقصود من عبارة المجتمع الإسلامي؟ أهو المجتمع الذي تحول فيه الدولة قراءتها الخاصة للقرآن والسنة إلى إسلام رسمي وتجعل من ذلك الإسلام الرسمي دين دولة؟ أهو المجتمع الذي تفرض فيه الدولة تطبيق كل التعليمات القرآنية بدقة حسب المعنى الظاهر للنص؟ أهو المجتمع الذي يسعى إلى مراعاة مقاصد الشريعة الخمس دون التقيد الحرفي بظاهر النص القرآني، أي مع ترجيح كفة روح النص؟ هل هو المجتمع الذي يعتنق فيه الإنسان الإسلام بحرية والذي يمكن فيه للإنسان أن يتخلى عن الإسلام بحرية حتى يكون إسلام المسلم إسلاما صادقا غير مكره؟ هل هو المجتمع الذي يطلب من أفراده احترام الأركان الخمس فقط ويترك حقل المعاملات مفتوحا لاجتهاد غير مقيد سوى بمصلحة الأمة؟ هل هو المجتمع الذي يحقق أسس السلم الاجتماعي، وهي التنمية والديمقراطية، فلا يظل رقيبا على جزئيات حياة المسلم؟ إن المجتمع الإسلامي في نظري المتواضع هو المجتمع الذي يحول المسلم اللامواطن إلى المواطن المسؤول عن إسلامه الغير المحتاج لسلطة دينية تخيفه من خارج ومن فوق؟ كلها تعريفات ممكنة للمجتمع الإسلامي، والاختيار بينها لا يتأسس على الرجوع إلى النص لأن النص يشرع كل تلك الاختيارات...إن الاختيار يعود إلى الجواب على السؤال التالي : أي مجتمع إسلامي نريد؟ فالإمكانات التي ذكرنا كلها إسلامية بمعنى أنها تحققت أو قابلة للتحقق باسم القرآن، ولا يجوز قطعا أن نفاضل بينها وأن نضعها على سلم تراتبي قصد قياس أقربها إلى القرآن، فهي كلها إمكانات قرآنية.

الأطروحة الرابعة

إن الإسلامات التاريخية مراحل تاريخية ساهمت بشكل كبير في نشأة الحداثة، و لا يجوز أن نخلط بين الحداثة والغرب. صحيح أن الغرب هو المحرك الراهن للحداثة، لكن لا ينبغي للاستعمال الغربي السيئ للحداثة أن ينفرنا من الحداثة وأن يدفعنا إلى الاعتقاد الخاطئ أن الحداثة ملك له لوحده...إن الحداثة تحقيق لأسمى القيم القرآنية، إنها إسلام بين الإسلامات الممكنة. إن الحداثة، كتنمية وديمقراطية، وباعتبارها تمديدا للروح القرآنية، نازلة عارمة تجعل من الضروري فتح باب الاجتهاد بشكل جذري، يتجاوز السقف الذي وضعه الأوائل للاجتهاد. إن الخصوصية الإسلامية تمظهر جزئي للعقل الإلهي الشمولي في التاريخ...

الأطروحة الخامسة

إن إعادة النظر في أسس تدبير النصوص المرجعية أول خطوة في فتح باب الاجتهاد الملائم. عدم الاجتهاد ضد المعنى الظاهر للنص سقف كان من الضروري احترامه، لأن ما جاء به القرآن في معناه الظاهر كان كافيا لإحداث الانتقال من مجتمع قبلي إلى مجتمع دولتي يعترف مثلا بالمرأة كشخصية قانونية. إن مثل هذا الاعتراف في القرن السابع الميلادي أحدث ثورة جذرية في مكانة المرأة على صعيد التاريخ البشري عامة، فلم يكن هنالك آنذاك داعيا لتجاوز ما أتى به القرآن في تعليماته الظاهرة. فحظ المرأة من الإرث، وإن كان نصف حظ الرجل، سقف لتلك المرحلة من التطور الاجتماعي، وهو قانون نسف فعلا الأساس الاقتصادي للجاهلية كواقع قبلي وقانون جعل من القرآن مرجعية لنظام إسلامي ثوري. لكن تطور المجتمعات الإسلامية قاد حتما إلى الاجتهاد رغم وجود النص كما فعل ابن عرضون في قضية نصيب الزوجة من الإرث، وذلك بالنظر إلى تطور الأوضاع الاجتماعية للأسرة والمرأة. إن فتوى أحمد ابن عرضون القائلة بحق الأرملة أو المطلقة في نصف مال الزوج، دون شركة مسبقة، "كحق الشقا" فقط، مثال صريح على الاجتهاد مع وجود النص. وهنا لا بد من القول أن "الاجتهاد مع وجود النص" كان فعلا فقهيا استثنائيا عليه اليوم أن يتحول إلى قاعدة أصولية جديدة. وقد أخبرني زميل بالرباط،، بعد نشر حواري مع "الأحداث المغربية"، أن الشيخ يوسف القرضاوي قال مؤخرا بضرورة الاجتهاد مع وجود النص، لكنني لم أستطع بعد الحصول على هذه "الفتوى" وعلى تعليلها من طرف صاحبها. ولا أعتقد أن ذلك الزميل الفيلسوف سيكتب في هذا الاتجاه رغم قناعاته الحداثية. إن رفض الاجتهاد عند وجود النص يمكن أن يعرض الأمة إلى أخطار كارثية مثل انتشار السيدا... ...وللاجتهاد معنى ثان علينا أن نعيه ونتبناه بكل وضوح، إنه المعنى الذي يبيح تعليق تطبيق النص نظرا لعدم استكمال الشروط الاجتماعية لتطبيقه... إن تعليق النص فعل مشهود...كم يبدو جليا هنا كيف أن السوسيولوجيا ضرورية للفقه، وقد كتبت في منتصف الثمانينات أننا نجد في كل فقيه عالم اجتماع راقد. واليوم، أدقق الفكرة لأقول : في كل فقيه عالم اجتماع مرقد..أما المعنى الثالث للاجتهاد فهو اعتبار "العمل" (أي العمل بالأقوال الفقهية الضعيفة والشاذة) امتدادا شرعيا غير استثنائي ينبغي الاحتفاظ به والاستمرار في إنتاجه وتطبيقه بالنظر إلى حاجيات المجتمع المتطورة...وأخيرا، يعني الاجتهاد استخدام ثنائية خصوصية السبب-عمومية اللفظ استخداما ملائما، أي إرجاع الآية إلى السياق الاجتماعي الراهن : إن الله يخاطب إنسان القرن العشرين كذلك، بل إن الله يخاطب كل عباده باستمرار (و هذا هو مدلول الوحي بالمعنى اللغوي). إن مطلب الحرية الدينية مثلا كمطلب اجتماعي راهن، ولو تعلق بأقلية، يجد تعبيره القرآني في الآية الكريمة "لا إكراه في الدين". إن ترجيح مبدأ عمومية اللفظ هنا يمكن النص القرآني من تطبيق نفسه في إسلام ينصت إلى الواقع الاجتماعي الحديث، أي في إسلام ملائم...إن الملائمة شرط الشمولية والاستمرار، بل الحياة. إننا اليوم في حاجة إلى فهم الآية بهذا الشكل لأن الله لم يخاطب فقط إنسان القرن الأول للهجرة. لا بد من العمل بالآية "لا إكراه في الدين" في عمومية لفظها قصد تطهير الإسلام من كل من لا يؤمن حقا ومن كل من تأسلم من جراء تنشئة غير اختيارية لم يعد يتبناها عند الرشد. من أجل تخليص الإسلام الحديث من المسلم الصوري، لا يمكن العمل بحكم الردة...فكما نفرح عند اعتناق الراشد للإسلام، ينبغي أن نفرح عند ترك الراشد للإسلام إن كان غير مقتنع حتى نطهر الإسلام من كل "مسلم" مكره. إن العلمانية اعتراف للفرد بالحق في اختيار تدينه أو لا تدينه حتى يعاش التدين كمسؤولية. فالعلمانية إذن ليست دعوة إلى الإلحاد وليست إلحادا، إنها إقرار بالمساواة بين كل الأديان، إنها احترام لكل عقيدة (و لكل لا عقيدة) : العلمانية لا إكراه في الدين. من هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى العقائد والعبادات، بصفتها عقدا حرا بين المخلوق وخالقه، كمستوي لا يطاله مطلب الاجتهاد الملائم.

الأطروحة السادسة

أسس الذكورية موجودة في القرآن والسنة، وأسس النسائية موجودة في القرآن والسنة...في الحقل الفقهي، سادت النزعة الذكورية والأمثلة كثيرة على ذلك : أولا اعتبار الطبري النساء من السفهاء في تفسيره للآية الكريمة "ولا تتركوا أموالكم للسفهاء..."، ثانيا نظر بعض فقهاء المالكية إلى عقد النكاح كعقد تمليك الزوجة للزوج...فبشكل عام، يشهد تاريخ الفقه الإسلامي على هيمنة الاختيارات الذكورية اللامساواتية. من نتائج هذه النزعة التأويلية الذكورية، تهميش المرأة من تدبير الشأن الديني العام، مما جعلها ترتمي في عبادة الأولياء. إن الولاية، كتجسد للبركة تبدو، وهي كذلك فعلا، في متناول المرأة: إنها لا تحتاج إلى المرور من التمدرس الفقهي... شيء يبين أن الفقه مطالب بربح قضية المرأة وذلك بتشبعه بالقيم النسائية التي يتضمنها القرآن ويفرضها الواقع المعاصر. إن النسائية القرآنية هي مجموع الآيات التي تدعو إلى المساواة بين الجنسين والتي ينبغي التسلح بها في فعل الاجتهاد رغم وجود النص (الذكوري). وقد تم تطوير تلك النصوص القرآنية النسائية في التصوف والفلسفة الرشدية على الخصوص. من أجل ذلك على الأقل، يفتخر الإسلام بتصوفه وفلسفته.

الأطروحة السابعة

إن تعريف الإسلام كنظم اجتماعية-سياسية تاريخية مختلفة تسعى كلها إلى شرعنة ذاتها انطلاقا من النص القرآني قول يجعل من الإسلام مرآة للمسلمين : إن الإسلام يأتي على قدر مستوى المسلمين الفكري والحضاري، فإذا ارتقى المسلمون ارتقى إسلامهم بارتقائهم، وإذا تخلفوا تخلف بتخلفهم. ومن ثم فهو قول يشرعن الدعوة إلى إصلاح الإسلام بالمعاني التالية:

- إصلاح الإسلام كتأويل ملائم للقرآن في اتجاه إجازة كل ما هو عقلاني، تنموي وديمقراطي.

- إصلاح الإسلام كمنظور : من الضروري ألا نختزل الإسلام في فقه مهلوس بثنائية الحلال-الحرام، فالفقه ما هو إلا جزء من إسلام-واقع. وبالتالي، لا بد من الاعتراف بالمكونات الأخرى للإسلام الواقع على المستويين الرمزي (فلسفة، تصوف، آداب، علوم...) والمادي (حضارة، فنون، معمار...)

- إصلاح الإسلام المؤسساتي بالإنصات إلى كافة الحركات الاجتماعية الساخنة (ومن بينها الإسلامية والنسائية على وجه الخصوص). إن الحركات الاجتماعية هي نبض التحولات الاجتماعية و مرآة للمطالب الاجتماعية. بفضل هذا الإنصات، من الممكن أن نسير نحو دمقرطة المؤسسات الإسلامية ونحو إدماج المرأة في تسييرها. ومن الممكن، بفضل مؤسسات إسلامية معقلنة أن نرى أخيرا الإسلام في كل ما هو عقلاني.

خواتم

إن المطالبة بإصلاح الإسلام دفاع عن الإسلام وغيرة عليه، بمعنى أنها مطالبة بقراءة القرآن قراءة حديثة تنطلق من انشغالاتنا وأوضاعنا الراهنة. أدعو إلى التمييز بين الدفاع عن الإسلام كدفاع وظيفي عن فقيه يدافع عن إسلام متحجر(وهو دفاع الفقيه عن مصالح وامتيازات ومواقع داخل نظام) وبين الدفاع عن الإسلام من موقع مثقف يبني دفاعه على علم محدود بالضرورة (ككل علم) وعلى ضمير نقدي مستقل عن كل خلفية لا تحدوه سوى خدمة الحق والحقيقة...قصد دفاع المثقف العلماني عن الإسلام استخراج رسالة قرآنية حديثة تدعو إلى التعدد والحوار والحرية الدينية. فالحوار بين الديانات هو أساس السلم.

إن إصلاح الإسلام كسياسة جزء من إصلاح المجتمع. ويقوم إصلاح الإسلام على تشخيص الواقع الديني تشخيصا سوسيولوجيا، وعلى ضرورة تشخيص السياسة الدينية المتبعة تشخيصا سوسيولوجيا لمعرفة مدى مسؤوليتها في تردي الإسلام المغربي. فالبحث السوسيولوجي هو الكفيل بإبراز المطلوب لسن سياسة دينية تندمج في السياسة الإصلاحية لحكومة التناوب. فمن أجل تحقيق إسلام مغربي اجتماعي-ديمقراطي، من الضروري أن نقوم ببحث وطني حول الممارسات الدينية يجيب على الأسئلة التالية : ما هي درجة التعبد؟ لماذا العزوف عن الممارسات الدينية؟ كيف ينظر المغاربة إلى السياسة الدينية المتبعة؟ ماذا ينتظر المغاربة من حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي في ميدان الدين؟

إن السوسيولوجيا مرآة فاضحة ومرشدة في آن واحد، ولا بد لها أن تكتمل في الفلسفة كطريق، من بين الطرق، نحو الحكمة. لذا أود أن أنهي هذه الورقة بالمجاز الفلسفي-الصوفي التالي : إن الحياة شبيهة بجبل والمطلوب من كل فرد الوصول إلى القمة أو على الأقل محاولة الوصول إليها والاقتراب منها... إن الاقتراب ممكن عبر المرور من طرق متعددة ومختلفة وبوسائل متنوعة. الطرق متساوية من حيث الهدف... كل فرد يسعى إلى الوصول حسب طاقاته واختياراته وطريقه... المهم هو الوصول أو على الأقل السعي إلى الوصول...لا أحد يجهل ضرورة الوصول، أي ضرورة السمو والارتقاء، مهما كانت عقيدته...أو لا عقيدته...إن الله واحد، أما الطرق إليه، فمتعددة...إنها تاريخ. الأهم هو الالتقاء قريبا من القمة، وإن أمكن في القمة...حول الحق.

الدكتور عبد الصمد الديالمي

فاس، في 15 دجنبر 1998

Repost 0
Published by Pr. Abdessamad Dialmy
commenter cet article