Professeur d'Université Emérite, Expert et auteur en "Sexualité, genre et féminisme en Islam"
نظرية الانتقال الجنسي
كيف يمكن توصيف الواقع الجنسي في المغرب؟ كيف يمكن تفسيره؟ لماذا وكيف يجب الانتقال من المقاربات الإعلامية ومن النظريات الاجتماعية إلى النظرية السوسيولوجية في هذا الموضوع الشائك والحساس بالنظر إلى ما يحيط بالجنسانية من تمثلات ومعايير وقوانين سلبية، وسالبة للحريات الفردية؟
1- المقاربات الإعلامية
تعبر هذه المقاربات عن نفسها من خلال نعت النفاق ومصطلح انفصام الشخصية (dédoublement de personnalité).
يذهب الكثير من الصحافيين إلى اتهام المغربي بالنفاق في موضوع الجنس، بمعنى أن حياته الجنسية اليومية مليئة بسلوكات وممارسات جنسية غير شرعية وغير قانونية وغير سوية (شاذة) مع حرصه على إخفاءها وعدم تبنيها وعدم الاعتراف بها حفاظا منه على صورة اجتماعية إيجابية. فهو يفعل أشياء ويقول أشياء أخرى تناقض تماما ما يفعله. فخطابه اليومي عن الجنس خطاب ديني وأخلاقي يدين كل أفعال جنسية خارج مؤسستي الزواج والأسرة خصوصا عندما يتعلق الأمر بالآخرين، وفي الوقت ذاته يقوم بتلك الأفعال بشكل متستر وخفي. من ثم للمغربي وجهان، وجه رسمي شكلي يساير الأخلاق الجنسية الأبيسية التقليدية ووجه خفي مضمر يخرق يوميا تلك الأخلاق دون أدنى شعور بالتناقض. فهو يتصرف بشكل براغماتي نفعي يوفق بين المطلب الديني- الاجتماعي وبين رغباته الجنسية، وذلك نظرا لانعدام الحريات الفردية، بل هو يدين تلك الحريات ويرى فيها انحلالا وتفسخا أخلاقيا.
لا شك أن مصطلح النفاق يصلح لوصف التعارض بين القول والفعل وصفا دقيقا إلا أنه نعت يتضمن في طياته حكما أخلاقيا يتهم الفرد ويدينه ويطالب بمحاسبته. وهي أشياء غير مقبولة في المقاربة السوسيولوجية، فعالم الاجتماع لا يضحك من ظاهرة اجتماعية ولا يبكي من أجلها إذ تكمن مهمته في التفسير والفهم دون إصدار أي حكم قيمة. لذا لا يحق لعالم الاجتماع تبني نعت النفاق لكي يظل محايدا وموضوعيا تجاه الظاهرة المدروسة.
وقد ذهب البعض الآخر إلى استعمال مصطلح انفصام الشخصية المغربية لوصف الازدواجية وعدم الانسجام بين القول والفعل. إنه الطرح القائل بتواجد شخصيتين متناقضتين تتعايشان في صراع دائم في عقلية المجتمع المغربي. إن انفصام الشخصية عَرَض (symptôme) من بين أعراض الشخصية السكزوفرينية الفردية، وهو عرض غير إرادي لا يتحكم فيه الشخص السكزوفريني، بل لا يعيه في الكثير من الحالات لأنه هديان واستيهامات لا علاقة لها بالواقع. المقصود بسحب هذا المصطلح على المجتمع المغربي هو إظهاره بمثابة مجتمع مريض يضطر إلى انفصام قهري تنفيذا للقمع الجنسي السائد. ورغم قهريته، يظل الانفصام الاجتماعي واعيا بذاته، ومتبنيا لذاتها، اختياريا ومنفعيا، غير هدياني وغير استيهامي، خلافا تماما لما هو الأمر لدى بعض سكزوفرينيي الطب العقلي. وبالتالي لا بد من رفض تنقيل هذا المصطلح من الفرد إلى المجتمع، ومن الطب العقلي إلى علم الاجتماع. فالمجتمع غير قابل للاختزال في مجموع أفراده، إنه بنيات ووظائف وعلاقات قوة بالأساس، وبالتالي لا يستقيم علميا سحب مصطلحات نفسية و/أو طب - عقلية فردية عليه (إلا مجازا).
2- النظريات الاجتماعية
تعبر تلك النظريات عن نفسها من خلال ثلاثة مصطلحات هي العودة إلى الجاهلية، الفتنة والانحراف، وهي كلها ذات مصدر إسلاموي[1].
أول من طبق مصطلح "العودة إلى الجاهلية" في "تحليل" المغرب هي حركة "الشبيبة الإسلامية" في مطلع السبعينات من القرن الماضي. والمقصود بالعودة إلى الجاهلية، ذلك المصطلح الذي وضعه السيد قطب، تكفير المغرب، دولة ومجتمعا، بالنظر إلى عدم تطبيقه شريعة الإسلام. وبالتالي يجب اعتبار المغرب دار حرب واعتبار المغاربة مسلمين مزيفين يتوجب الجهاد ضدهم بفضل عنف ثوري يهدف إلى إحلال حكم الله. وقد اتهمت "الشبيبة الإسلامية" اليسار بالأساس وحملته مسؤولية ما يقع في المغرب من فساد جنسي. وهو الأمر نفسه الذي نجده من جديد في مطلع الألفية الثالثة مع السلفية الجهادية التي اعتبرت بدورها أن عودة المغرب إلى جاهلية جنسية تعني شيوعية جنسية دون حدود وفوضى جنسية لا ضابط لها.
أما مصطلح "الفتنة" فقد استعمله عبد السلام ياسين شيخ "جماعة العدل الإحسان" في كتاباته الأخيرة من أجل التخلي عن مصطلح "العودة إلى الجاهلية" وتجاوز الجدرية الثورية الملازمة له. فالفتنة لا تعني أن المغرب ارتد عن الإسلام (كما هو الشأن في مصطلح العودة إلى الجاهلية)، فهي بالتالي ليست جاهلية وإنما فقط أزمة وتخلفا وعدم استقرار وفوضى وإلحاد. من تمظهرات الفتنة، يدقق ياسين، "الفساد الجنسي الذي جعل من المغرب بؤرة من البغاء الدولي". وتعني الفتنة الجنسية إصابة المجتمع كله بهوس جنسي وبإقبال كبير على مختلف المتع الجنسية المحرمة من طرف مختلف الفئات الاجتماعية والمؤسسات الحكومية والهيئات الحزبية والمجتمع المدني.
أما مصطلح الانحراف، فقد استعملته "جمعية الإصلاح والتوحد"، وهي الحضن الإيديولوجي الأول ل"حزب العدالة والتنمية". والمقصود به أن الأمة المغربية تخرق تعاليم الإسلام بالجملة لكنها لا تزال مسلمة رغم ذلك. فشهر رمضان في نظرها لم يبق شهر عبادة وتأمل بل أصبح شهرا يتميز بانتشار الشهوات والمتع الحسية، وعلى رأسها الملذات الجنسية. وبشكل عام، يعني المصطلح أن انتشار الاختلاط بين الجنسين وعري النساء انحراف بنيوي أدى إلى انتشار أمراض اجتماعية مثل الإغراء بين الجنسين والخيانة الزوجية والطلاق والبغاء والأمراض المنقولة جنسيا وأولاد الحرام (الزنا). بتعبير آخر، يعني الانحراف زيغ المجتمع المغربي عن الطريق الصحيح والمستقيم. فالمجتمع يعرف حق المعرفة ما أقره الإسلام في الميدان الجنسي من تحريم الزنا واللواط والسحاق ومن اعتبارها فواحش كبائر. ورغم تلك المعرفة، ينحرف المجتمع عن تطبيق الأمر بالتحريم، ويتجه نحو الفساد الجنسي من خلال إقباله المتواتر على المحرمات الجنسية.
يبين هذا العرض التركيبي أن النظريات الإسلاموية هاته نظريات اجتماعية لا تهدف إلى التفسير وإلى الفهم من خلال تحليل موضوعي أكاديمي للظاهرة الجنسية المغربية[2]. همها الأساس هو اتهام المجتمع المغربي بالفساد الجنسي وبالانحلال الأخلاقي انطلاقا من نموذج مجتمع إسلامي مثالي ماض وخال من الزنا ومن اللواط ومن السحاق، وهو المجتمع الذي لم يوجد قط تاريخيا. فهي نظريات تدين المغاربة وتعتبرهم مسلمين مرتدين أو فاسقين أو عاصين وتحملهم مسؤولية ما تعتبره فسادا من وجهة نظر إسلامية تتوق إلى مجتمع يضمحل فيه الزنا واللواط والسحاق بفضل عقوبتي الجلد أو الرجم. بتعبير آخر، أمام ما تسميه تلك النظريات "فسادا جنسيا"، الرهان هو تبرئة الإسلام (النصي النظري) من ذلك "الفساد" والمطالبة بتطبيق الإسلام حرفا قصد تحرير المجتمع من الفساد الجنسي.
هذا وتجدر الإشارة هنا إلى التدرج التاريخي من مصطلح "العودة إلى الجاهلية" إلى مصطلح "الفتنة" ثم إلى مصطلح الانحراف، وهو انتقال من المصطلح الأكثر تشددا وعنفا إلى المصطلح الأخف والأيسر. إنه انتقال يعكس اندماج الحركات الإسلاموية التدريجي في الإطار الجمعوي أو الحزبي مع الإشارة إلى عودة مصطلح "العودة إلى الجاهلية" مع "السلفية الجهادية" في العشرية الأولى من الألفية الثالثة. وتؤشر عودة المصطلح الأعنف الراديكالي على شيئين اثنين، أولهما التنديد باندماج الإسلاموية في لعبة سياسية مرفوضة مبدئيا، وثانيهما انتشار أكبر للسلوكات الجنسية قبل الزوجية والمثلية مع المطالبة بالحقوق والحريات الفردية. ويبقى الأهم في هذا التركيب إبراز التقاء المصطلحات الثلاث حول مقولة الفساد، فالعودة إلى الجاهلية فساد جنسي والفتنة فساد جنسي والانحراف فساد جنسي.
بالنسبة لعالم اجتماع الجنس وهو يمارس حرفته، الرهان هو القيام بقطيعة إبستمولوجية مع المقاربات الإعلامية والنظريات الاجتماعية ذات الطابع القيمي الأخلاقي باعتبارها كلها سوسيولوجيا عفوية لا تقوم على آسس علمية. الرهان هو بناء نظرية سوسيولوجية علمية تسمح بفهم الظاهرة الجنسية دون إصدار أي حكم قيمة، وذلك بفضل وصفها وترتيب مؤشراتها وبتشخيص آليات تغيرها. وهذا هو رهان نظرية الانتقال الجنسي كنظرية سوسيولوجية التي وضعنا لبناتها الأولى سنة 2007 واستمرنا في إغناءها وتدقيقها في الكثير من كتاباتنا اللاحقة[3].
3
[1] A. Dialmy : « L’islamisme marocain : de la révolution à l’intégration », in Archives des sciences sociales de la religion, 2000, 110 (avril - juin), pp. 5-27
[2] Ibid.
[3] أول مقال في التاريخ وضع لأول مرة مفهومي "الانفجار الجنسي" و"الانتقال الجنسي" هو مقالنا "المعركة الجنسية الراهنة أو إرادة العلمنة الصامتة"، الأحداث المغربية، عدد 2907، 19 يناير 2007، ص. 17. ثم أعدنا نشر نفس المقال مع بعض التعديلات في كتابنا "سوسيولوجيا الجنسيانية العربية"، الصادر عن دار الطليعة، بيروت، 2009، صص. 173 – 179. ثم نشرنا كتاب "الانتقال الجنسي في المغرب: الحق في الجنس، في النسب وفي الإجهاض"، الرباط، دار الأمان، 2017. وأخيرا كتابنا بالفرنسية Transition sexuelle: entre genre et islamisme, Paris, L’Harmattan, 2017.