Professeur d'Université Emérite, Expert et auteur en "Sexualité, genre et féminisme en Islam"
- الانتقال الجنسي
تقوم نظرية الانتقال الجنسي كنظرية عامة في الجنس على التمييز بين مراحل ثلاث:
ا- مرحلة التطابق الديني، ونعني بها استمرارية بين سيادة معايير جنسية دينية وبين انتشار سلوكات جنسية دينية.
ب- مرحلة الانفجار الجنسي، والمقصود بها انفجار الوحدة بين المعايير الجنسية وبين السلوكات الجنسية، فالأولى تظل دينية في حين تنفلت الثانية من المعيارية الدينية، مما يؤدي إلى انفجار كمي لسلوكات جنسية قبل وخارج الزواج، ومثلية.
ج- مرحلة التطابق العلماني ونعني بها استمرارية بين سيادة معايير جنسية علمانية وبين انتشار سلوكات جنسية علمانية.
3-1 مرحلة التطابق الديني
تتميز هذه المرحلة بمأسسة المعيارية الجنسية الغيرية، والمقصود بذلك اعتبار العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة علاقة سوية لوحدها، فهي العلاقة الوحيدة التي بإمكانها ضمان النسل واستمرار الجنس البشري مع إرضاء الغريزة/الرغبة الجنسية. وفي الوقت ذاته تعتبر المعيارية الغيرية كل علاقة بين شريكين مثليين علاقة شاذة، بل وترى أن كل ممارسة جنسية غير منجبة بالقوة ممارسة شاذة أيضا (الاستمناء، الجنس الفمي والإستي...).
بالإضافة إلى سواء العلاقة الجنسية، مأسست المعيارية الغيرية الزواج كإطار قانوني محدد للعلاقة الجنسية قصد تحديد نسب الأطفال بالأساس. في هذا الإطار، للإسلام خصوصية تكمن في إباحة التعدد الزوجي للرجال بالإضافة إلى الحق في "ما ملكت اليمين" من نساء، وهو الحق في التسري دون حصر العدد، وذلك قبل الزواج وأثناءه. فالتسري شرعا هو وطء الأمة المملوكة ملك اليمين. أما المرأة، فلها الحق في زوج واحد فقط ولا حق لها في إقامة علاقة جنسية مع ما ملكت يمينها من رجال. ولا يحق لها أيضا أن ترفض وضع الأَمَة إن كان عقد امتلاكها سابقا على عقد اعتناقها الإسلام (فمجرد اعتناق الإسلام لا يحرر الأمَة من العبودية). بتعبير آخر وخلافا للرجل، لا حق شرعا للمرأة المسلمة الحرة في الجنس قبل الزواج أو خارج الزواج. وهو ما يعني أنها مطالبة بالإمساك الجنسي قبل الزواج، أي بالعذرية. فطابو العذرية لا ينطبق على الرجل المسلم بحيث يمكنه التسري قبل الزواج، بل لا نجد في اللغة العربية (أو في الدارجة المغربية) اسما يفيد العذرية عند الرجال.
على صعيد الممارسات الجنسية، انقسم المجتمع المغربي في مرحلة التطابق الديني إلى عالمين منفصلين، عالم الرجال وعالم النساء، عالم الفضاء العمومي الرجولي وعالم الفضاء الخاص النِّسْوي. إن الحدود الجنسية كانت أيضا حدودا مجالية وهو ما يعني تطبيعا شبه-مؤسساتي لتمييز جنسي فضائي (ségrégation sexuelle spatiale) بفضل منع الاختلاط الجنسي من خلال إجبار النساء على القعود في البيت أو على وضع لباس يغطي جسد المرأة كليا عند خروجها النادر من البيت. في هذا الإطار التمييزي، انحصرت معظم العلاقات الجنسية في إطاري الزواج والتسري، أي في إطارين شرعيين يعكسان معا الاستمرار بين المعيار الديني والسلوكات الجنسية.
طبعا، لا يمكن الجزم بأن العلاقات الجنسية غير الشرعية (زنا، بغاء ومثلية) كانت منعدمة كلية أثناء هذه المرحلة، فكل ما يمكن تأكيده هو أن تلك العلاقات كانت تشكل آنذاك ظواهر هامشية جدا وكانت تعرَّف اجتماعيا كشذوذ وكفساد تبعا للمعيارية الإسلامية السائدة. بالإضافة إلى هاته الظواهر الجنسية الهامشية الثلاث التي تؤشر على عدم المطابقة التامة بين المعيار الديني والسلوك الجنسي، تجدر الإشارة إلى عدم احترام حق الزوجة في المتعة الجنسية، وهي الظاهرة التي يتكرر ذكرها في الكثير من النوازل الفقهية. فرغم تشديد الرسول على مراعاة حق الزوجة في بلوغ مرادها من النكاح، ورغم تذكير الفقهاء المغاربة في "آداب الزواج" على ضرورة "التقاء المائين، ماؤه وماؤها" كناية على بلوغ الذروة الجنسية من كلا الزوجين، وبلوغ الذروة الجنسية من دعائم إحصان الزوجة في المنطق الفقهي الإسلامي، يبدو أن الكثير من الأزواج حولوا نكاح الزوجة إلى جماع إنجابي بالأساس على حساب متعة الزوجة. فالجنسانية الزوجية كانت بشكل عام جنسانية "محترمة" لا تبيح للزوجة التعبير عن كل رغباتها الجنسية وإشباعها.
3-2 مرحلة الانفجار الجنسي
سمة هذه المرحلة الأساسية هي انفجار الوحدة بين المعيار الديني والسلوك الجنسي، أي حدوث قطيعة بين معيار إسلامي يحرم الزنا والمثلية وبين انتشار سلوكات جنسية غير زوجية ومثلية. فالمعيار الإسلامي التحريمي لا زال يشكل المعيار الأساسي في تأطير النشاط الجنسي بشكل عام رغم دسترة حقوق الإنسان سنتي 1996 و2011. فتلك الدسترة لم تٍفعَّل على صعيد القانون الجنائي المغربي حيث لا زال الزنا بشقيه (المحصن وغير المحصن) محرما بصيغة وضعية هي التجريم ولا زال اللواط والسحاق محرمين أيضا بنفس الصيغة. ورغم القطيعة بين الإسلام والقانون الجنائي فيما يتعلق بالعقوبات، لا زالت المعيارية الإسلامية فاعلة في ذهنية الإنسان المغربي في إدراك سلوكياته الجنسية غير الزوجية كحرام بيِّن. لكنها معيارية لم تعد مؤطرة للسلوكات الجنسية الواقعية رغم سيادتها المبدئية. فهناك اليوم قطيعة بين السلوكات الجنسية والنموذج الجنسي الإسلامي. وهي قطيعة اتخذت شكل انفجار جنسي هائل. ما هي إذن التمظهرات الرئيسية لذلك الانفجار الجنسي؟ وما هي تبعاته؟
3-2-1 تمظهرات الانفجار الجنسي
للانفجار الجنسي ثلاثة تمظهرات هي: انفجار الجنسانية قبل الزوجية، انفجار العمل الجنسي، انفجار المثلية الجنسية.
ا- انفجار الجنسانية قبل الزوجية
من المؤشرات الإحصائية على وجودها ذلك الفارق بين معدل السن عند أول علاقة جنسية وبين معدل السن عند الزواج. فحسب دراسة لوزارة الصحة سنة 2013، معدل السن عند أول علاقة جنسية هو 16،5 سنة عند الفتى و17،8 سنة عند الفتاة. أما معدل السن عند الزواج، فهو 32 سنة عند الرجال و26 سنة عند النساء حسب آخر إحصاء وطني (سنة 2014). وهو ما يعني أن الحياة الجنسية تبدأ قبل الحياة الزوجية بسنوات كثيرة. فعلا، يمارس الشبان الجنس لمدة 15،5 سنة قبل الزواج وتمارسه الشابات لمدة 8،2 سنة قبل الزواج في المعدل. وتشير دراسة وزارة الصحة إلى أن 56٪ من العلاقات الجنسية تتم دون إيلاج فرجي وأن 25٪ من العلاقات يتم خلالها الإيلاج الفرجي. وعلى سبيل المقارنة، فإن دراسة أخرى لوزارة الصحة بينت أن العلاقات الجنسية دون إيلاج بلغت 31،7 ٪ سنة 2007، وهو ما يعني أن نسبتها آخذة في الارتفاع، مع العلم أن التصريح بها ليس بالأمر السهل والهين. لذا من المنطقي افتراض ارتفاع تكراريتها بالمقارنة مع النسب المعلنة سنتي 2007 و2013. وهنا نذكر بأول بحث ميداني في الموضوع أنجزناه سنة 1976 في الدار البيضاء حيث صرحت خلاله تلميذة في الثانوي كان عمرها آنذاك 16 سنة قائلة: "أمارس الجنس دون إيلاج لأوفق بين المنع والرغبة"[i]، أي حفاظا على العذرية واعتبارا منها أن "الجنس دون إيلاج فرجي إثم صغير".
إلى جانب الجنس السطحي، تجمع كل الدراسات المتعلقة بالممارسات الجنسية قبل الزوجية على تكرارية كبيرة للممارسات الجنسية الفمية والإستية (من الخلف) والاستمنائية، كل ذلك للحفاظ على العذرية. وفي هذا الصدد، اقترحنا[ii] "المفهوم التوافقي للعذرية " الذي يحيل فقط على سلامة غشاء البكارة مع وجود علاقات جنسية متنوعة بديلة، وهو ما يتنافى مع المفهوم القرآني للعذرية الذي يعني غياب كل علاقة جنسية قبل الزواج كيفما كان نوعها. وتشكل هذه الجنسانية (غير الكاملة) البديلة ما سميناه ترميقا جنسيا يتم في أماكن غير ملائمة لممارسة الجنس قبل الزوجي. فقليلون جدا هم الشبان العزاب الذين يتوفرون على شقة مستقلة لاستقبال الشريكة الجنسية، وبالتالي كانت معظم العلاقات الجنسية قبل الزوجية تتم في دور السينما أو في السيارة أو في الغابة أو في الشاطئ أو في المراحيض... وشكل ذلك ما سميناه ترميقا مجاليا. فالترميق شمل إذن الجنس والمجال في آن واحد وفي نفس الفعل، وهذا ما سميناه "ترميقا جنسيا-مجاليا" (bricolage spatio-sexuel)[iii].
إن التطبيق الأبيسي للمفهوم القرآني للعذرية جعل منها عاصمة (capitale) جسد الفتاة ورأسمال (capital) الفتاة الرئيسي. فإذا فقدت الفتاة عاصمة جسدها قبل الزواج فقدت كل شيء وفقدت بالأساس كل رأسمالها الاجتماعي لأن "البغي وحدها تفقد عذريتها قبل الزواج" (قول شعبي). ونلاحظ هنا استغلال الفتاة، في مرحلة الانفجار الجنسي، اختزال العذرية في غشاء البكارة عندما تعتبر نفسها عذراء ما دام الغشاء مصونا وذلك رغم ممارسة الجنس بكل أنواعه (ما عدا الفرجي).وهو نفس الموقف الذي يتبناه المجتمع بشكل عام. وفي حال الافتضاض غير المتبنى من طرف الفتاة، يتم اللجوء إلى ترميم غشاء البكارة (عند الطبيب) أو إلى استعمال غشاء بكارة اصطناعي لإيهام الزوج بالعذرية ليلة الزفاف أو إلى "شراء" شهادة عذرية عند طبيب في القطاع الخاص. وقد عبر بعض الفقهاء عن تأييدهم لهذه الممارسات تجنبا للفضيحة وللعار رغم كونها تحايلا على المعيارية الجنسية الإسلامية. فهم لا يطالبون أبدا بجلد أو برجم الفتاة الزانية الباحثة عن عذرية زائفة. أيضا، يشكل اللجوء إلي تلك الحيل خيانة للأخلاق الجنسية الإنسية (humaniste) والنَّسَوية التي تعتبر الجنس قبل الزواج حقا من حقوق المرأة (والرجل على حد سواء).
في الواقع، لم يبق هذا الطرح الثقافوي ساريا على كل المجتمع إذ لم يبق غشاء البكارة رأسمالا أساسيا سوى عند الفتيات والأسر الفقيرة والقروية، والتي تكون أمية أيضا في غالب الأحيان. فالفتيات المنتميات إلى الطبقات الاجتماعية المتوسطة العليا وإلى الطبقات الغنية لم تعد تولي أهمية لغشاء البكارة وللطقوس التي تحيط به أثناء ليلة الزفاف. وكانت الفيديوهات البورنوغرافية (منذ الثمانينات من القرن الماضي) هي المُعلِّم الجنسي الأول للشباب المغربي، وكانت تشترى في الأسواق وتشاهد بواسطة التلفاز، مما كان يشكل بعض الصعوبات. أما اليوم، فالمواقع الإلكترونية والهواتف النقالة تساعد بشكل أيسر الانفجار الجنسي الحاصل. وهي كلها تلقن الشباب تربية جنسية مغلوطة وفاسدة وتسهل التعارف وفرص اللقاء وتمكن من ممارسات جنسية افتراضية أو واقعية.
[i] عبد الصمد الديالمي: "الجنس والمجتمع: دراسة نظرية وإمبريقية"، رسالة ديبلوم الدراسات العليا (ما يعادل دكتوراه السلك الثالث)، كلية الآداب، الرباط، 1980. وهي الأطروحة الملخصة والمنشورة في كتاب "المرأة والجنس في المغرب"، الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1985.
[ii] A. Dialmy :
- Jeunesse, sida et islam, Casablanca, EDDIF, 2000, pp. 117-118.
-"الانتقال الجنسي في المغرب: الحق في الجنس، في النسب وفي الإجهاض"، الرباط، دار الأمان، صص 60، 64، 67 و68.
[iii] A. Dialmy : Jeunesse, sida et Islam, op. cit. pp. 103-104.